ذاكرة لجوء

كيف باتت مشاعرنا

                               

“وطلبتِ أن أختار ماذا تلبسين” .. يخرج صوت ماجدة الرومي في الأغنية التي تحكي عن قصة طوق الياسمين الذي يأتي به رجلٌ كهدية لحبيبته.

أغيب مع كلمات الأغنية، مع حالة الحب الرومنسية التي كنت أسمع أغانيها في طفولتي، وأغرق في براءة ورومنسية الحب الذي كنت أتخيله وقتها. حين كانت قصص الحب في الأغاني بأبطالها الرجل الرصين الأنيق ذو اللباس الرسمي، والسيدة المبهرة بحضورها الجميل شكلاً ومضموناً دون أي ابتذال، وكان أكثر من تعمق في صياغة تلك الصورة فارس الشعر في الحب نزار قباني العاشق رغماً عن شيبه.

تصل الأغنية لخاتمتها فأعيدها وأغرق في الزمن مجدداً، وأنا في غرفتي اليوم في برلين، التي أنتظر فيها زوجي الشاب الذي بعثت له بطلب لم شمل، كي يلتحق بي، ونحن ما زلنا غير مقتنعين تماماً بزواجنا، لكن المصلحة على ما يبدو كانت أقوى منا وهي التي تسوقنا.

فهو يريد الخروج من سورية، وأنا أريد أن أشاطر غرفتي شاب أفهم لغته ويفهم لغتي، بعد أن أرعبتني الوحدة ومعاشرة الغرباء. لكنني حين أنظر إلى دوافع المشاعر وراء العلاقة لا اجد ما يشجع، وكأن منطق المصلحة بات هو منطق الحب، وكأن علاقتنا هي علاقة بين بلدين لا بين بشريين.

فأنا لا أعرفه حتى اللحظة شخصياً سوى من خلال المراسلات على الإنترنت، وقد قررت الخوض في التجربة إيماناً مني بأني سأمنح الشاب جسر وصولٍ إلى حيث يمكن أن يبدأ حياته، ويمكن أن تتغير حياتي، وفي حال لم يحدث توافق بيننا يمكننا الانفصال بكل بساطة، هكذا كانت تقول الصفقة بيننا، وأنا مقتنعة بها لحد كبير، على الرغم من خلوها من أي دافع عاطفي حقيقي.

لكن ملامسة الأغنية لأذناي ولمشاعري واستدراج مشاعر الطفولة والمراهقة والحب الرومنسي، أشعرني بأني أقرب لآلة مني لإنسانة.

وهنا بدأت بالتفكير في الحال التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة من قساوة المشاعر، وإعطائها الصف الثاني في الأهمية أو ربما أقل. فالحب الذي كنا نستمع له في الأغاني القديمة لم يكن يتطرق لحال الرجل وعمله، أو متطلبات الأنثى وهمومها وانشغالاتها.

أما اليوم فقد باتت هذه التفاصيل تكاد تبتلع حياتك برمتها، وتطرق على رأسك كنقار الخشب دون أن تترك وقتاً للراحة والتفكير بالمشاعر، وبات عليك المرور إجبارياً في تلك الانعجاقات للوصول إلى مساحة راحة خاصة، قد لا تجدها إلا بعد سنين طويلة، تعلمت خلالها كيف تقهر الصعاب وتكابر على نفسك وتكبت مافي قلبك وتكتم غيظك، حتى تصبح سلساً في تنظيم أمور حياتك وعملك مهما حصل، لترى نفسك حين وصلت إلى مساحتك الخاصة قد فقدت شغفك على فعل أي شيء تحبه، إن كان قد بقي هناك ما تحبه فعلاً.

فالحرب والهجرة وابتعادك فجأة عن مدينتك وحارتك وأصدقائك وذكرياتك، ليس بالأمر السهل الذي يمكن للإنسان المرور عبره مرور الكرام، فإن فقدت جزءاً من ذاكرتك يعني أنك ستفقد أيضاً جزءاً من روحك وتعتاد كبت مشاعرك وقهر الشوق كلما أطل برأسه، حتى تعتاد الحياة.

أذكر في طفولتي حين كنت أسمع قصصاً عمن تنتظر حبيبها سنوات طوال ليأتي من غربته وهي لا تعرف عن حاله في الغربة شيئاً، اللهم إلا إذا جاء أحد معارفها من مكان الاغتراب ذاته وأخبرها خبريةً ما عنه.

اليوم طحنت الحرب كل انتظاراتنا ووضعتنا مقابل فوهة المدفع، وطلبت منا أن نتخذ القرار، إما أن تهرب وتحيا، وإما أن تموت. وفي حضرة الموت يصبح الهم الأول هو النجاة، النجاة من هذا المستنقع الذي اسمه الوطن قبل أن نموت ونحن واقفون. وهنا يغدو فعل النجاة ومبادلة مشاعر النجاة مع الآخرين هي الضرورة الأولى، فقبل أن تحب عليك أن تنجو، قبل أن تحب عليك أن تأكل ليهدأ جسدك من استنفاره في طلب الغذاء خوفاً من الموت، وحينها فقط يمكن أن تتلفت حولك وترى من قد تحبه.

هكذا بات الشغل الشاغل للسوريين بعد الحرب وفشل التغيير، هو كيف أغادر، وبات المنطق ينحي العاطفة جانباً ليختار هو ما يناسب النجاة. فقد مل عقلنا عواطفنا، وشمت بنا كثيراً لدرجةٍ لم نعد نتجرأ على مواجهته بعد أن اكتشفنا أن كل عواطف حبنا لوطننا كانت كذبةً كبيرة.

إن كل حبنا لقضايانا كانت كذبة، لم يكن من شيء نحبه لأجله فعلاً ولأننا اخترنا أن نحبه، بل لأننا تربينا على أن نحبه أو أن ندعي حبه، دون معرفة حقة. فحبنا لفلسطين لم يكن سوى تكرار لاسطوانة السلطة الحاكمة فنخون من تخونهم ونحب من تحبهم دون أن يكون حبنا لفلسطين ولقضية أهلها هي معرفتنا بالفلسطنيين وبقضيتهم منهم، بل كانت نظرتنا لهم كنظرة مستشرق.

أعادتني الأغنية إلى حين كان فيه الحب ربما رومنسياً لأننا لم نكن نختبره حقاً، وكنا نعتبر أن كل الجيزات التي تقام حولنا هي خارج الحب وكأنه حلماً لا يمكن تحقيقه، ربما كنا بسطاء أكثر ولذلك كنا ننظر إلى الحب نظرة مراهقين وكذلك إلى قضايانا، فتأخذنا الحماسة وتعمي عقلنا عن الفهم عن قرب. فنحب الوطن بكل حماسةٍ دون أن ندرك لماذا، أو ماذا نحب فيه بالتحديد أو ما هو الوطن أصلاً. فاختلطت علينا وصفة حب الوطن بالقائد بالحزب الحاكم وبما يحبون ويحلمون ومن يكرمون بوسام استحقاقهم، حتى اختلط علينا الوسام مع طوق الياسمين، وكأن حب كل شيء داخل هذا الوطن يأتي في سلةٍ واحدة، إما أن تحبها جميعاً أو ترفضها جميعاً.

وها نحن اليوم نبحث عن أي وطن بديل نستطيع أن نسترخي فيه دون قلق أن يدق بابك رجل الأمن، والأفضل ألا يدق باب ذاكرتك أحدٌ أيضاً ليكتمل استرخاءك بعيداً عن الإحساس بالذنب من حبك المراهق، لكن هيهات أن تستريح من الذاكرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى