ذاكرة شخصيه بورتريه

مريض الساق المتململة

لقد تأخر حزني عليه.

تلفتُ القلب وحيرته إزاء الجهة التي سيبدأ منها الألم، تجعل الحزن هذه المرة مختلفا تماما، ليس كعواصف النحيب السابقة التي كانت عند كل رحيلٍ تكسر كل ما حولها ثم تمضي تاركة الحياة -رغم كل شيء- تنمو من جديد، الحزن هذه المرة يغير صاحبه إلى الأبد.

“إنّ شيئا واحدا أو عددا لا نهائيا من الأشياء يموت مع كلّ موت” قال أحد الشعراء ولكنك هنا ستكون عاجزا عن اكتشاف ما مات فيك وحولك، سيوفر لك الباقي من حياتك وقتا كافيا لتكتشف في كل مرّة خسارة جديدة لم تنتبه إليها، لكن تأكد تماما أنها لن تكون الأخيرة.

في اليوم التالي لموت الأب، لن تكون أنت مرّة ثانية، الألم هذه المرة سيكون في الجهة البعيدة عن متناول قلبك، سيأتيك من الجذر الذي لم تشعر يوماً بوجوده، لذلك لن ينتهي، لأنك ببساطة لم تعرف متى بدأ أو متى سيبدأ.

-إبني ما حدا غيري بيمد إيده عليه، لا أنت ولا كل وزارة التربية تبعك.

شعرت بأنّ الشرار كان يخرج مختلطا بالحروف من حنجرة أبي فيما كان يشير بسبّابته فوق رأس المدير باتجاه الصورة المعلقة في جميع مدارس سوريا والمرسوم تحتها بخط الثلث اسم ثانوية الأندلس الخاصة.

-إذا إبنك بدو يكسّر اللي بيطلع بوجهه كل ما سمع كلمة ما عجبته، فأنا بنصحك تخصص نص راتبك شهريا يا سيد، ردّ مدير الثانوية الشهير متأملا أبي بعينه الواحدة.

-منيح، معاه لسا عشرين سنة تكسير لحتى اتقاعد وبعدين هو بيعرف يدبر حاله.

لم ينتظر أبي الوصول إلى نتيجة من هذا الحوار، أمسك يدي متجاهلا الصراخ الصادر من الجهة المقابلة وبصوت مختلف تماما كمن يتقدم بدعوة لفنجان قهوة:

“يلّا.. نروح؟”

أحضرت كتبي من الصف ولحقته نحو الباب الرئيسي، كان للتوّ يلقي التحية على البوّاب، أمسك بيدي مجددا ونحن نخرج من باب المدرسة، كنت أشعر بالذنب وخائفا جدا منه في تلك اللحظة. لقد ضربني المدير على كتفي في اليوم السابق فقط كي ندخل الصفوف بسرعة ولهذا كسرت قفل أحد النوافذ وهربت من المدرسة، شاهد أبي أثر العصى على كتفي ولم يعلق، لكنّي وجدته فجأة أمامي في غرفة الادارة في اليوم التالي حين جاء أحد الطلاب وأخبر المدرّس بأنّ المدير يسأل عني.  

أشعل سيكارته خارج المدرسة دون أن يفلت يدي ثم نظر إليّ صامتاً، كان كمن يسألني الغفران عن شيء لم أفهمه!

كانت نظرته حنونة تشرح كل شيء ولا تقول شيئا

“بديش أكمل دراسة” قلت بصوت خجول وكأنني أتكلم لشخص غيره، وامتلكني الخوف مجددا مما قلت، شعرت أن غيري من قال ذلك.

ملأ رئتيه بالهواء لأقصى حد ثم أطلق تنهيدة بدت وكأنها لن تنتهي:

“سوّي شو ما بدك… سوّي اللي بيريحك”

خرجت هذه الجملة من فمه ببطء وبوضوح بطريقة شعرت معها وكأنه يعني كل حرف يقوله.

لقد كان هذا الكرت الأبيض الأول وربما الوحيد الذي سأحصل عليه في حياتي كلها، ومنذ ذلك الوقت كنت أدرك أن هناك من سيدعم كل الخيارات المجنونة التي سأتخذها.

لقد كان يدافع عن نطفته التي كبرت فأصبحتْ أنا، إنّ تاريخ الرجال رغم كل ما يكتب، ليس سوى تاريخ دفاعهم الغريزي عن نطافهم وكلٌ بطريقته، لا شيء آخر.

بغياب الأب ستشعر أنّ الحياة حولك أصبحت أكثر عدائية وخطرا، ستصبح أكثر حذرا وكأنّ أحدهم قد أفرغ عبوة من الخوف في شرايينك دون أن تنتبه.

لقد تأخر حزني على وفاته، في الحقيقة حزني على حياته قد تأخر أكثر.

لم أعرف عن طفولته المبكرة أي شيء رغم أسئلتي المتكررة، كان يخفيها وكأنها ذنب اقترفه، حتى أخوته الأكبر منه لم يخبروني أنهم ضبطوه متلبساً بطفولته يوما ما، لا أعرف أين تعلم القراءة والكتابة، هل كان له أصدقاء يلعب معهم، هل ذهب إلى ساحة العيد يوما، هل لبس الجينز في شبابه، كل ما أعلمه عن سيرته المبكرة أنه خرج من فلسطين حافيا وتعب من المشي في الطريق بين حيفا ومنبج، لتحمله أخته الكبرى على كتفيها، ذاتها أخته التي امتلكت قدرة السيطرة عليه حين ينفجر بعد أن كانت أمه وحدها من تمتلك هذه السلطة.

علاقته بوالده الذي هجر زوجته وأبناءه ليتزوج بأخرى فور مغادرته حيفا كانت سرا ممنوع علينا الاقتراب منه.

 انتقل مع أخيه إلى دمشق، عملا سنتين قبل أن يتمكنا من شراء أرض صغيرة في المخيم لبناء بيت كي يحضرا أمهما، أقدم صورة رأيتها له تعود لعمر الرابعة عشرة حين جاء إلى دمشق. لم يكن يحمل أي ملامح للطفولة، كان يرتدي زيّا رسميا بربطة عنق وسيكارته الأبدية بين أصابعه مشيحا بوجهه عن الكاميرا كمن يبحث عن أحد، في كل الصور التي شاهدتها له لاحقا كان يشيح بوجهه عن الكاميرا منتظرا أحدا لن يأتي، مذ عرفته كان ينتظر، ولم أدرك إلا بعد رحيله أنّ الانسان الذي ينتظر هو انسان وحيد.

“حين تلعب بالقطع السوداء تتأخر عن خصمك بحركة ولكن ستسبقه بمعلومة” قال لي في إحدى المرات وهو يعلمني الشطرنج، في العشر نقلات الأولى لن يحصل شيء، كل شخص يعلن عن نفسه فقط، أدركت لاحقا أنّ أبي كان يخرج كل أسلحته مرة واحدة وهذا ما جعلني أتمكن منه فورا عندما أتقنت اللعبة، في الحقيقة كان يلعب حياته كلها بنفس الطريقة، يخرج كل ما لديه ثم ينتظر.

“لن تتعلم السباحة بغير طريقة واحدة” ثم رماني في الماء، ابتلعت وقتها ماء كثيرا ولكني عدت إلى البيت متعلما السباحة، ومنذ ذلك الحين تعوّدت أن أرمي نفسي في قلب الأشياء لأتعلمها. لم أجرؤ أن أخبرك قبلا كم كان هذا مؤلماً يا أبي!

الدالية ما بتقبل غير السماد العضوي، الكوشوكة بتحب التعطيش، الياسمينة بدها تهواية للتربة على طول، اللحم ما بيقبل غير الملح والفلفل، الحمص ما بيتاكل بدون كمّون، السمك بحري أو لا تشتريه، الباطون بدو سقاية عشر ايام عا الاقل.

 كان يعاملني وكأنه رسول من الغيب مكلف بتعليمي كلّ شيء أكثر من كونه أبي، استفزه مرة أني أكتب مواضيع التعبير على مسودات قبل أن أكتبها بصيغتها النهائية:

-لا تكون جبان، قال لي

-كيف جبان؟!

-من مين خايف؟ الحياة كلها مسودة، اكتب شو مابدك وغيّر شو ما بدك على نفس الصفحة.

-بس مش لازم تكون الصفحة مرتبة؟

-جبان لأنك خايف يقولوا صفحتك مش مرتبة.

لم يكن له إبنا ليربيه بل ليدربه على القتال..

ورثت عنه العزلة والضجر اللانهائي، سؤال هوية غامض وشغف مطلق بالزراعة، حنين دائم للبحر وسيكارة لا تفارق يدي وقدرة على التنبؤ بالطقس كأي فلاح.

أول المطر في أيلول كان يومه المنتظر، يترك كل ما في يده، يحلق ذقنه ويصعد للسطح نحو حديقته المعلقة، هناك عشرات الأصص من الجوري وياسمينتان تمتدان نحو الطابق الرابع.

عاصفة من رائحة الياسمين البلدي والعراتلي تختلط برائحة الجوري كانت تجبر المارين أمام منزلنا على التوقف بحثا عن مصدر تلك العاصفة، تلك الزهور التي سيعرّيها المطر في بعد قليل، وكان بدهشة طفل صغير يتأمل المطر يغسل أوراق الدالية، وبعنف ينزع تيجان الزهور عن سيقانها.

“بإمكانهم قطف الزيتون الآن” كان يقول مسترخيا وهو ينظر بعيدا نحو البساتين في شارع الثلاثين.

“يابا ليه مبسوط إحنا شو إلنا بالزيتون! المطر ما خلا ولا وردة”

ذاكرة الأطراف المبتورة قالت لي إحدى الصديقات، ما زال أبوك يخشى على حقل الزيتون هناك، لقد كان أول المطر في إيلول إختصارا مكثفا لطفولة أبي، وهوية واضحة لفلاح ترك عمارات الزيتون قرب البحر وهرب حين وصلت سفن القراصنة.

كان يقضي أيامه كلها قرب حديقته عدا يوم واحد في الأسبوع خصصه لأخته التي غادرت قبله بأشهر قليلة، رأيته في الصور يؤم الصلاة عليها، -هل تعلّم الصلاة فقط لأجل هذه اللحظة، سألت نفسي!- ثلاثة أصدقاء فقط على امتداد حياته، أحدهم كان كفيفاً وأصما وبساق مبتورة! عجزت جميع المعارك التي حصلت أن تمنعه عن الوصول إليه والجلوس ساعات صامتا قرب سريره حتى وفاته، لقد كان أصدقاؤه امتدادا بشريا لحديقته.

لم يتمتع يوما بحس إيقاعي وتلك صفة أخرى ورثتها عنه، مواقفه الحادة من الفنانين تشي بهوية واضحة لم يفصح عنها يوما، كان فريد الأطرش بطله المظلوم الذي انتصر بأخلاقه على الجميع، عبد الوهاب جلب المياعة للموسيقى العربية. وفي أفضل حالاته كان يرى الأطلال هي الأغنية الوحيدة التي تستحق المجد بعد أغاني فريد الأطرش وناظم الغزالي، انضم إلى صف الدراما السورية في مواجهة المصرية حتى قبل أن تأخذ الأولى مكانتها وقبل أن تبدأ تلك المعركة أصلا، وعلى الرغم من موقفه المرتبك من الوحدة التي تركت جرحا غائرا سيستعصى على الشفاء في جسد التاريخ السوري، استمر عبد الناصر بنظره بطلا تراجيديا أخير.

كان الشعور بكمية الطاقة الموجودة في المنزل عند الدخول كافيا لندرك أنه موجود هناك، علاقته مع النوم منذ عرفته كانت علاقة صياد محكوم عليه بالفشل أبدا أمام طريدته، لم يكن يستطيع النوم بسهولة، يضرب الجدران بقدمه، يصرخ ويشتم لأدنى حركة يسمعها في المنزل، يوزع اتهاماته بعنف على الجميع لعجزه عن النوم، ولأني كنت الوحيد الذي أعود للمنزل بعد منتصف الليل كان ينالني القسم الأكبر، وفي كل مرة كنت أراه يفرك قدميه عاجزا عن النوم ينتابني شعور بالشفقة وتأنيب الضمير، لقد كانت النار التي تخرج من عينيه المنهكتين نحوي السبب الأكبر الذي جعلني أشعر بالحاجة لترك البيت في وقت مبكر.

زيت الزيتون مع الليمون والبصل كانت وجبته شبه الوحيدة، امتلك حكما أبديا بصنع الشاي على كل من يمر قرب غرفته، سيكارته لا تفارقه، صامتٌ أبدا، مدمن على الكحول، مقتصد تماما في رصيده المعنوي لدي الآخرين، لغته المتقشفة لأبعد الحدود كانت تصيب المعنى كسهم في القلب، يوفر في كلامه أشواكا زائدة عن الحاجة عندما يضجر، كان سيدا بقدرته على تعليق قيمة تافهة فوق جبين أي شيء لا يعجبه، يخشى الاتكال على أي شخص أو شيء، يكتب وكـأنه يحمل في يده معولا لا قلما، يتنفس وكأنّ النار تمشي في عروقه.

لقد كان متعِبا ومرهِقا كجميع الاستثناءات.

لم أكن أراه كثيرا، كان الحديث بيننا يهوي كابتسامة واجبة يطلقها ركاب سفينتين تمشيان في اتجاه معاكس، التوتر هو الوصف الأكثر دقة لعلاقتنا المشتركة منذ أصبحت أساويه طولا ونزقا، وكما لو كنا محكومين بسوء تفاهم أبدي، حتى عندما أحضرت له صندوقا من البيرة في محاولة للتصالح مع إدمانه الكحول اكتشفت أنه قد أقلع عنه منذ يومين فقط.

واستمرت علاقتنا هكذا كموظفين مجبرين على الجلوس على مكتب واحد، يتبادلان احيانا النكات الإباحية لقتل الوقت وربما يتساعدان على حل الكلمات المتقاطعة في جريدة قديمة وجدت مصادفة في درج مهمل.

حتى جاء ذلك اليوم حين اخترق الرصاص جسدي.

لم تكن تفاصيل وجهه يوما أقرب مما هي عليه في تلك اللحظة، كان منحنيا على السرير واضعا يده على جبيني لحظة فتحت عينيّ، رائحة التبغ التي تفوح منه دلتني عليه، عيناه الحمراوتان بفعل الدموع المكبوتة هذه المرة كانتا تختصران كل ما بإمكان الشعر أن يقوله، كانت يده تفيض حناناً يتحدى التعريف.

ترك قبلة كبيرة على جبهتي وبدأ يمشط شعري بأصابعه:

“لا تخاف كلشي رح يكون منيح”

خجلت أن أخبره لاحقا أنّ ابتسامته في تلك اللحظة كانت تفوق في تأثيرها الثلاثين ميليغرام من المورفين التي كانوا يحقنونها في جسدي يوميا طوال وجودي في ذلك المشفى لكن في الوقت نفسه كانت تلك المرة الأولى التي أراه ضعيفا.

وجدته فوق سريري لحظة إخراجي من المشفى يحمل عكازين عجز الجميع عن اقناعي على استخدامهما، فكرة أنني سأمضي بقية حياتي مع العكازات أصابتني بالرعب، لذلك لم أتقبل مجرد رؤيتها فاستنجدوا به:

“قوم، فز، امسكهم بلا ولدنة وأكل هوا” كانت أنفاسه تتسارع بطريقة أعرفها جيدا حين يمتلك قرارا لن يساوم عليه.

“طيب عكازة واحدة مش رح امشي بتنتين”

وضع يده تحت كتفي وحاول وحده رفعي بطريقة تثير الشفقة لكنه لم يستطع، وبكل ما اوتيت من قوة في ساقي السليمة انتصبت وأنا أضغط على كتفه قبل أن يعيد المحاولة، ترنح قليلا وهو يضمني ثم ثبت في مكانه، أعطاني العكاز وصوّب في عيني من المسافة صفر:

“صرت بطولي يا خرا”

“لا مش بطولك، أطول منك ومن كل عليتك إذا بدك كمان” قلتها كمن يتصنع شجارا

“طيب إمشي أحسن ما اكسرلك رجلك التانية”

ضحكت، للمرة الاولى أشعر بأن هذا الرجل صديقي

كانت الثورة في سوريا تحبو أولى خطواتها عندما أسماها حربا، لا هدايا في الحرب قال لي عندما رأني متفائلا بما سيكون، لا هدايا في الحرب فقط مزيد طوابير الدبابات ومزيد من الدماء، كان وصول طلائع النازحين إلى مخيم اليرموك نذيرا لما سيكون فالتصق بحديقته أكثر كتدريب أوّلي على الوداع. وعندما خرجنا من اليرموك في المرة الأولى رفض الخروج، شاهدته من بعيد يقف مواجها الشمس على ناصية البيت، وحيدا كأنه حارسه الأخير.

لقد كانت طريقة ظله في ارتداء المخيم تثير الكبرياء.

-“استنى شوي خليني إعملك كاسة شاية تزبط مزاجك” قال متهكما في إحدى زياراته شبه اليومية لمنزلي بعد خروجنا من اليرموك حين قرأ على شاشة الحاسوب عبارة “كل الشهداء الذين رأيتهم سقطوا مبتسمين”

-ليه هيك عم تحكي؟!

-لازمك شاي عشان تعرف تحكي للناس اللي ماتوا ولادهم قديه الموت حلو، هيك عا الناشف بدون شاي بيوجعني قلبي عليك.

كانت سخريته تصيب المعنى في القلب وتقتله أحيانا، توقفت عن كتابة أي شيء خشية منه.

-صار لازم تطلع من سوريا، ما رح أقدر اتخيل حدا عم يضربك، قال ذلك دون أن ينظر في عينيّ بينما كنا نلعب النرد، ثم صمت و امتنع عن اللعب، كان الصمت طريقته المعتادة في تأويل الألم.

– و  انتو؟!

-لا تاكل همنا، رح نبقى نسمع صوتك عا الأقل ونعرف وين أنت.

كنت أعلم أنني يجب أن أغادر وأن الزمن المكسور المتبقي بيننا ليس كافيا حتى للعبة نرد أخيرة.

كلانا يعرف أنه كان اللقاء الأخير، لم يتنظر ولم أنتظر أن أراه ثانية، غالب دمعته التي طالما انتصر عليها، دموعه ذاتها التي استعصت عليه حتى في وفاة أمه كانت تتأهب للانفجار، نظرت إليه من أسفل الدرج، كان كمن أمضى عمره ينتظر المعركة ببندقية لا تطلق النار.

أفرط بالوعي حدّ تعذيب النفس، لكنه لم يتصارع مطلقا مع الزمن، لم يمتلك أي رهان أو ثقة في المستقبل، لم يأخذ الحياة ولم تأخذه على محمل الجد، كانت بالنسبة له مجرد مسوّدة لنص مسرحي مليء بأخطاء لا تستحق حتى التصليح وكأنه وحده كان فيها المخرج والمؤدي وكاتب النص والجمهور معاً.

كنت في برلين عندما جاءني الخبر، أبوك في المشفى، غادر المنزل حليق الذقن، طلب علبة دخانه، أشعل سيكارة لم يكملها، داسها بحذائه ثم مشى على قدميه نحو السيارة، استلقى على السرير وغاب في نوم طويل.

القلب والرئتين والكليتين والكبد، الجسد بكامله قرر الرحيل مرّة واحدة، جف أبي فجأة كما فعلت ياسمنيته الممتدة نحو الطابق الرابع قبل نزوحنا عن بيتنا بقليل.

في المساء قال الأطباء بعد العمل الجراحي وبعد غسيل الدم بأن القلب قد استقر وأنه تجاوز الخطر، لم أصدق كلامهم، أبي الذي أعرفه جيدا يأخذ القرار مرة واحدة بلا ندم ولا تردد ثم يمضي، تمنيته أن يستجدي القدر ولو لمرة واحدة، تمنيت لو أنه يأخذ الحياة على محمل الجد ولو ليوم واحد.

كنت كمن فقد أطرافا خفية لا تُرى لا أقوى على الحراك أو الكلام

لم يكن مجرد أبي، لقد كان النسخة الأكثر استقرارا لجيناتي، كان اليقين الأول وكل الحياة التي جاءت بعد ذلك -على اتساعها- لم تكن سوى مجرد تأويلات لهذا اليقين.

تمنيت لو كنت قربه هناك، فقط لأمشط شعره بيدي وأخبره -ولو كذبا- بأنّ كل شيء سيكون على مايرام.

لكنّه صفق الباب

إنّ صفق الباب أمر سيء يا أبي على أي حال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى