ذاكرة حدث

ازدواجية الألم

«انا أتألم اذا انا موجود».. لعلها حكمة واقعية..

كان لا بد من نقاش ذلك الموضوع العالق في أذهان البشر، منذ الأزل إلى وقتنا الحالي: لماذا الألم؟ في عالم مصمم للألم خصيصاً: ما ذنب الأطفال والنساء والشيوخ و(الرجال في بعض الأحيان) لأن يتحملوا ضعف قوّة الجاذبية الأرضية، ألماً لا يمكن أن يفسر علمياً ولا عقلياً، ولا حتى روحياً؟

سيجيب البعض: الألم يولد الحكمة، والألم بحد ذاته تجربة يتمخّض عنها علماء وفلاسفة ومفكرون عظماء… لولا الألم لم يصلوا لأعلى مراتبهم.

لكن هذا لا يفسر الألم من الناحية الإنسانية. ولو افترضنا أن الألم يولد الحكمة، فسنعتبر البرميل المتفجر مولداً للحكمة بقرار من القيادة الحكيمة.. وسيعتبر هذا إنجازاً وعطاءً بحق المواطن السوري على وجه التحديد، إن لم نقل إن الشعب السوري أكثر الشعوب حظاً بالحكمة والوقار من بين شعوب الأرض قاطبة، لنرى أن هذا الكلام لا يقبل القسمة على العقل البشري.

الحكمة التي حصل عليها “أبو محمد” رحمه الله- بعد أن استلقى في أرضه بعد العمل الشاق والمضني في “جبل الزاوية”، ليتفاجأ بالحكمة تنهال عليه “كحمم جهنم”- أصبحت فلسفته كجزء لا يتجزأ من الحكمة المذكورة.

“أبو محمد” الذي أمضى حياته مكافحاً ومزارعاً ومربياً للأجيال، ومؤمناً بالبعث بعد الموت، وليس البعث الذي كان قد اعتاد عليه أعواماً متتالية! كان حزب البعث بالنسبة لـ”أبو محمد” هو حزب بعث للأموات الذين لو نطقوا بكلمة بعد الموت، لجرّوا جثامينهم، للعقاب الأبدي في سجون الأسد، المكتظة- “كسوق عكاظ”- بالشعراء والمثقفين وأصحاب العقول النيرة، الذين بدورهم لم يتعوّدوا على الحياة بعد الموت، ليعيشوا في سورية الحديثة، مقبرة الغزاة؟

هذا هو المنطق المحفوف بالمخاطر، المحكم المملوء بالحكمة، التي تأتي بمختلف أنواع الأسلحة المحرمة دولياً، لمختلف الأعمار.. ما سيؤدي عاجلاً أم آجلاً لازدياد الوعي ولمحو الأمية، وللانفتاح على شعوب المجرات الأخرى، ما قد يسيء لمبادئ وقيم القائد المربي والمعلم الأول!!!

رحمك الله صديقي “أبو محمد”، لم أتخيل أن تصل إلى هذا القرار الحكيم بأمر عشوائي حكيم، من قيادة حكيمة رحيمة، كأوراق الحظ السورية، كانت لك الجائزة الكبرى في “معرض اليانصيب” في سورية، كانت لك حكمة لا تعطى إلا للأصفياء المؤمنين.

ما هي الحكمة يا “أبو محمد”؟ كيف لي أن أحدّثك عن حكمة موتك بهذه الطريقة التي تخجل الوحشية أن توصف بها؟ هل يعقل أن يكون هذا الكم الهائل من الألم الذي سيولد الحكمة، هو نتاج أفكار بشرية في سبيل السيطرة على العالم والثمن أرواح وجماجم السوريين؟ أي منطق هذا، وأي قدر يفرض نفسه بهيمنة ليس لها مثيل، ليعطي الحكمة لمن يحب ولمن لا يحب؟

هذا هو القرار الحكيم الذي لطالما تساءلنا عنه، عندما رأينا القصف الشديد المرعب على قرانا في الشمال السوري، وعلى “جبل الزاوية” الذي لا نعلم لماذا كانت زاويته حادّةً عليهم رغم أنها منفرجة.. القرار الذي سيولد الحكمة، التي لم نطالب أحداً بها، لكنها أتت من دون أي تعب يذكر بألم لا يمكن للحجر أن يتحمله، ولكل شيء ثمن.. لأستنبط لاحقاً حكمة صديقي المتوفى رحمه الله، الذي رأى بعد أن استيقظ صباحاً، أن يذهب للعمل رغم القصف المخيف، بحثاً عن لقمة العيش، ضارباً بالتقاليد والعادات عرض الحائط، ومتحدياً الخوف، على أمل فلاحة أرضه رغم صعوبتها، ليتفاجأ “بجرّار” قادم من السماء، حرثه وحرث أرضه وسماءه، دون أدنى تعب يذكر.

عدا عن المصير المحتوم، تبدو الحكمة كالشمس تماماً، في موقف لا يحصل عليه المرء إلا مرة واحدة في حياته، كان لا بد من ذكر عشوائية الأهداف وقنص الحجر قبل البشر.. وقرية “أبو محمد” رحمه الله، كان لا بد من أن تعزّي أهليه بالتنويه والإشارة لمناقبه، ولكفاحه المستمر، على قلة المحصول في تلك السنة، رغم حرثه وحرث البرميل المتفجر لأرضه، ورش الخضروات بالأسلحة والمبيدات الكيماوية البشرية منها والنباتية.

ولأن الأرض لمن يعمل بها، كان قبره موجوداً في أرضه، ولعله الشاهد على الإجرام في سورية أنه مات عاملاً بأرضه، باحثاً عن قوت يومه وقوت عياله.. ولعل كل تلك الأسلحة التي رميت في شتى بقاع سورية الحبيبة، كانت بهدف استصلاح الأراضي البور، ولفلاحة ما تبقى منها.. ولعل بعضها كان للتنقيب عن الآثار، لجذب السياح الأجانب والعرب أيضاً، أو لصناعة الآثار.

ولا شك هنا أن كل مجرم كان قد اعتلى “طائرة ميغ” هو فلاح أو عالم آثار، ولا شك أيضاً أن “عيد العمال” وضعه لأجلهم القائد المؤسس، الذي على ما يبدو يحظى بقدر من الحكمة الدموية التي تظهر آثارها من خلال علماء الآثار والفلاحين، الذين يحلقون بالطائرات بحثاً عن أرض ليحرثوها، أو بحثاً عن عامل يساعدونه في تحصيل قوت يومه.

فطوبى للجبناء، ورحمك الله يا صديقي الذي ما إن تذكرتك حتى بدت لي الحياة من بعدك كأرض بور جرداء، لا هواء فيها ولا ماء، قبيحة بقبح الفلاحين المجرمين الذين سرعان ما سيجيئون بطائراتهم، لفلاحة حياتي ولريها ورشها بالأسلحة والمبيدات الكيماوية.

مرّت سنة على وفاتك، وكانت بالنسبة لي الفاجعة الكبرى.. أي مفجوع هذا الذي يتغذى ويقتات على أرواح البشر وجثامينهم، ومن أي سلالة بشرية هو؟ وما ذنب الألم أصلاً، إن كان ليس هناك من يحس به لأن يتحمل هذا الكم من تأنيب الضمير؟

“أبو محمد”، إن كان هناك حكمة حقاً يا صديقي في هذا العالم، فالأجدر أن تكون بالحياة لا بالموت، والعكس هو الرجوع للوراء، والزمن لا يعود.. أنت الآن في عداد الأموات، فاعزف على أوتار القيثارة التي في يمينك، أنشودة الخلود الأبدية.. ومن حكمة الزمن تولد المحن، لكن على الرغم من أن الحكمة هنا وليدة تجربة الإجرام السوري وابنة فلسفته، كما ظهر معنا، فالواضح أن الحكمة لا يمكن أن توجد إلا عند السفاحين الذين لديهم باع طويل في سفك الدماء، وتقطيع الأوصال بدم بارد وبقلب ميت.

الفرضيات غالباً تميل إلى الفرض القائم حتماً في حياة أي شخص اتخذ مبدأً في حياته، والحكمة بؤرة شرّ في عالم مملوء بالفقراء وغير الحكيمين الذين تساعدهم البراميل المتفجرة ليصلوا إليها شاؤوا أم أبوا، ليفلحوا في الدنيا والآخرة، وهذا نقيض لما يسمونه البعث بعد الموت، فالمبعوث من الموت، سيكون حكيماً بما فيه الكفاية ليختار في أي طريق سيكون، لكن ما فائدة الحكمة بعد الموت؟ ولماذا لم يحصل عليها وهو حي يرزق؟ أم إن الرزق ربما يكون موتاً بأبشع الطرق؟ هل هذه هي أسمى عدالة موجودة على وجه الأرض، أن يأتي عزرائيل ليقبض روحك ويجترها بألم برميل متفجر كان قد حل ضيفاً في جسد منهك، لم يعد يعي شيئاً عن أي شيء؟

هذه هي ازدواجية الإنسان السوري، سيفه بحدين والمقبض حاد أيضاً، لا يمكن أن يصبح حكيماً إلا بعد الموت، لأنه سيصبح قاضياً، ربما أيضاً بعد الموت..

ويبقى السؤال، ماذا بعد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة عشر + 4 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى