ذاكرة حصار

موت مشين

في طقس مثل هذا تصبح جهنم وجهة سياحية. أخذ إبليس بيدي ووضعني في أول الطريق. وكانت الطريق إلى جهنم – كما هو معروف يقينا- معبدة بالنوايا الحسنة، ومحاطة بأسلاك من الأسئلة الشائكة: الصيفَ تفضل أم الشتاء؟ القهوة أم الشاي؟ الكلاب أم القطط؟ وهذه الأسئلة، وأمثالها كثير، تفترض أنك إنسان سوي، تملك ثمن بُن كولومبي فاخر، قادر على تربية قطة وجرائها دون أن تصاب باختلال نفسي، ومستعد لتمضية شتاء رومانسي طويل قرب حطب المدفأة مصحوبا بسيمفونيات بيتهوفن. ولعل الحكيم أشعب هو الذي سئل: “أيهما ألذ: الفالوذج أم اللوزينج؟” فأجاب إجابته الخالدة: “لا أحكم بين غائبين”. وهو هنا يضرب مثلا نادرا في عمق التحليل. فأن تُفاضِل بين أمرين، يعني بداهة أنك قادر على الاختيار، أي أنك تملك المخيَّرات، وتملك حرية الاختيار، وتملك تحمّل مؤونة أو تبعات اختيارك. دون ما سبق، تكون محاولة الإجابة عن أسئلة كالآنفة مجرد رياضة ذهنية في أحسن حال. الصيف والشتاء يفرضان نفسيهما علينا في مواقيت معلومة. ألا يفعلان ذلك مع سائر البشر؟ بلى! لكننا مختلفون قليلا. نحن أشبه بذلك الإنسان الأول، يُلقى به من جو السماء عصرَ يوم أغبر، فيجد نفسه في عالم غريب عنه، قرداً عاريا من فراء أو صوف، منزوع المخالب، مكلول الأنياب، ناسيا كل ما كان تعلمه في عالم الملأ الأعلى. نحن مثله، لم نُخضع الطبيعة بعد، هي التي تخضعنا. وهي تفعل ذلك بكل ما في أمومتها من قسوة ووحشية. لذلك يكون من المفهوم، إن كنت إنسانا أول مثلي، أن تكره الصيف والشتاء معا، وأن تخص الشتاء بمزيد من المقت. وقد يصعب، على العارف والجاهل كليهما، أن يفهم كيف نشكو برداً أو عتمة ونحن نعوم على نفط وخيرات كثيرة. وقد يكون الجواب عند المواطن السوري الحذق واضحا ومباشرا: “نفطنا في أيدٍ أمينة”. لكن معرفة الجواب لم تكن يوما بعمق أن تعيشه في كل تفاصيل حياتك. ما من ذكرى من طفولتي إلا كانت فيها الكهرباء مقطوعة، ما من ذكرى شتوية إلا كان بيتنا فيها باردا. كنت أسمع من أهلي حينها أننا محاصرون، بلدنا محاصر، وكان أبي يعود بي بعد يوم دراسي طويل ليقف وأقف معه في طابور مازوت يمتد ساعتين أو ثلاثا تحت المطر وفوق الطين. أذكر وقفتين بالتحديد، في إحداهما حفظت سورة يس، وفي الثانية انتحيت جانبا لأكتب واجباتي المدرسية تاركا أبي يرسم النموذج الماغوطي لمواطن عربي لا يستوعب كيف يكون حفيدَ المعري والجاحظ وسيف الدولة، وعليه في الوقت نفسه الوقوف في طابور لتُمارَس عليه كل صنوف السادية. كان هناك شيء غير مفهوم لي، وفي كل مرة سألت فيها أبي: “ليش نحنا هيك؟’ أجابني أن الطوابير ومسيرات التأييد هما نموذج المجتمع المدني الذي تواجه فيه الدول الاشتراكية التقدمية الحفلاتِ الهابطة التي تحييها الدول الرأسمالية والرجعية، في كلام هذا معناه، ومن الواضح أن جوابه بدا لي غير ذي علاقة بسؤالي.

ثم انتهى الحصار بطريقة ما، لكنني لم أشعر بفرق جذري. الأكيد أنني درست من أجل امتحانات تخرجي في كلية الطب عام 2006 دون كهرباء، وأنه حتى ذلك العام على الأقل، ظلت الأشتية عندنا قاسية، لا من لؤم أمنا الطبيعة بل من لؤم طبيعتنا الأم. وظل الدفء شيئا نفتقده، شيئا نتحراه ونبحث عنه، مثلما حين تسقط إحدى أسنانك، فيظل لسانك يحج إلى مكانها الخالي يتقصاه ويجسه ويتحسسه محييا ذكراها.

وحين بلغت من عمري تسعة وعشرين شتاء، أتى حصار عرفته جيدا. وبالرغم من أني كتبت كثيرا في سنواته، لكنني اقتصرت في وصف البرد على جملة واحدة: [و(البرد): من أهل الكبائر، لكنه متعبد ورع إن قورن بالجوع الذي أجمعت الأمة على تكفيره]. لكن كثيرا من نصوص تلك الفترة، إن أتيح لك يوما أن تقرأها، ستشعرك بأن من كتبها كانت ترتجف أصابعه وشفتاه المزرقتان، وكان لبشرته مظهر جلد الإوز، وكان أنفه يسيل دما وماء. وكان أن نزل بروميثيوس وعلّمنا صنعة نار لنا، وكان الوقود خشب البيوت التي غادرها أصحابها المساكين فخنّاهم في أزواجهم وأموالهم. لم يكن هذا سهلا على كثيرين منا، ثم لما غادرنا أخيرا وصار المخيم ركاما، أبصرنا، وتمنينا لو أنّا أحرقنا الأخضر واليابس. فصّلنا نظريتنا الأخلاقية حينئذ، المعتمدة على الدِين والظروف، وفق متطلبات حالنا الراهنة دون أن ننظر قليلا نحو المستقبل. ولأن منازلنا لم تكن مزودة خِلقيا بمدافئ حجرية من النوع الذي تراه في الأفلام أو ينزل من مدخنتها أبو نويل، كان لا بد من اجتراح بدائل. هذا هو الفكر المنظومي الكُلاني، الذي ينظر إلى الأشياء في علاقاتها. مدفأة تعمل على الوقود السائل لن تصلح كما هي لالتهام الغابات في جوفها. ومع كل تكنولوجيا جديدة تُخرِج أدواتٍ ومعداتٍ وركائز جديدة، تبرز الحاجة إلى كلمات ومصطلحات نتفق عليها لتسمية تلك الأشياء. في بيتنا، إذ لكل بيتٍ معجمه، كان هناك المِحراك، وهو كما يوحي اسمه شيء معدني يستخدم لتقليب الجمرات، ثم اكتشفت بعدها أن العرب كانت تسميه المسعار. وكان هناك الحَصَب، وأطلقنا هذه الكلمة الفصيحة الأصيلة على كل ما كان ضامرا جافا من الأخشاب سهل الاشتعال بحيث يصلح فتيلا لإضرام النار في خشب كان نوافذ وأبوابا وخزائن وسررا وأرائك عليها ينظرون. والحصب لغة هو الحجارة والحصى، وقيل إن كل ما ألقيته في النار فهو حصب، وقيل هو الحطب عامة، وقيل هو الحطب في لغة أهل اليمن، ثم “إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم”، لكن جهنمنا في تلك الأيام كانت زمهريرا. والزمهرير برد لعين. برد يقرع عليك النوافذ والإسمنت. برد تشكو منه المدافئ والحرّاقات والشمس. برد انتهازي يستغل ذوبان طبقتك الدهنية العازلة تحت جلدك. برد يجري من عروقك مجرى الدم. برد يحز العظام كما تتغلغل سكين في قالب زبدة. برد يبْرُد أعصابك. “بردانة كنتِ وكنت أنا بردان”.

ـ أعدُّ لك الشاي؟

ـ بل أضيئي لي الورد.

ـ معذرة، نسيت. أضيء لك الورد؟

ـ أعندكِ سكر؟

ـ في الحديقة قفير نحل.

ـ والحارس؟

ـ ثمنه لمسة.

ـ ما عدت أريد.

ـ تغار عليَّ؟

ـ بل أغار عليَّ.

ـ معذرة، نسيت. تغار عليك؟

ـ من حين لآخر.

ـ وفي ذا الحين؟

ـ أشعر بالبرد.

ـ قليلاً وأشعل فيك الحرائق.

ـ أعندك وقود؟

ـ في الحديقة بئر نفط.

ـ والحارس؟

ـ ثمنه قبلة.

ـ ما عدت أريد.

ـ تغار عليك؟

ـ من حين لآخر.

ـ وما العمل الآن؟

ـ أضيئي لي الورد.

ويمكن لتجربة مريرة مع البرد أن تجعلك تعيد نظرك في بعض تراكيب اللغة. فقد حدث أن تلقيت رسالة من أستاذ جامعي لم يبخل فيها علي بالإطراء، فكتبت له: “إنه لمما يثلج الصدر…” ثم استمر مريري وارعويت وأبدلت: “إنه لمما يدفئ القلب…”. ويفيدك النظر في القرآن وفي كتب اللغة في العثور على الصِر، والصَرْد، والصرصر، والصقيع، والقر، والقَرْس، والزمهرير. وهي كلمات بوسعك عدها مرادفات للبرد، أو تنويعات عليه، أو ترتيبا لشدته في منازل ومقامات، تبعا لنظرياتك اللسانية. وعلى سيرة الصقيع، وبما أن حجرة واحدة من منزلنا تلك الأيام كان فيها مدفأة وكانت مع ذلك باردة، فبوسعك تخيل الحرارة في سائر الحجرات، فكان أن سمَّينا واحدة منهن إصقيعيا، قياسا على إفريقيا، والثانية صقيعستان. ويكون البرد أشد ما يكون حين تكون جائعا، لا جائعا لأنك تأخرت في تناول غداء اليوم، بل جائعا لأنك تعاني من سوء تغذية شديد وسط مجاعة قاتلة. وكان من حسنات تلك الظروف أن دحضتْ إلى غير رجعة الأطروحة الشائعة “لا أحد يموت من الجوع”. وهي إن كان لها أن تكون صحيحة فلأنها تعني: لا أحد يموت من الجوع في ظروف طبيعية. وفي الظروف الطبيعية، إن كنت جائعا بسبب فقرك مثلا، فيمكنك تناول الطعام كل يوم على مائدة حماتك، أو في المطاعم ثم تهرب دون دفع الفاتورة، أو أن تتطفل على بيوت أقربيك وأصدقائك. أما إن كنت جائعا بسبب انعدام الطعام، فتأكد أنك ستموت. ثم منّت علينا السنون بتعليمنا أنه يمكن للمرء أن يموت من البرد أيضا. وليس من الضروري كي تنال هذا المصير المشرف أن تتقطع بك السبل وأنت في بعثة استكشافية للقارة القطبية الجنوبية، أو أن تعلق على شفا جُرُف وأنت تحاول تسلق قمة إيفيرست، أو أن تطيح بك عاصفة ثلجية وأنت تتزلج في إجازتك على الجانب السويسري من جبال الألب. لم كل هذه المصاريف؟ يكفي أن تكون نازحا يسكن خيمة في الشمال السوري المحرر، أو لاجئا عند الحدود البيلاروسية البولندية يبحث عن موطئ قدم وحضن دافئ.

ولقد أعلم أن هناك من يجد في البرود العاطفي أو البرود الجنسي أو في كليهما أعظم مصيبة يمكن أن تلم بأحدنا. ولست ألومه على اكتفائه المعيشي، بل إني لأحسده على ضيق أفقه، وأدعو له ألا يجرب الشَرّث أو عضة الصقيع أو قّدم الخنادق. أما التعرض طويل الأمد لدرجات حرارة منخفضة جدا، فيجعل جسدك يخسر الحرارة بأسرع مما يستطيع توليدها. وحين تنفد مخازن طاقته، تهبط حرارته اللبيّة. ومن بين تداعيات ذلك تأثُّر الدماغ. تصبح عاجزا عن التفكير السليم، مشوشا، غير متوجه، متثاقل الحركة، مضطرب الكلام. بل قد لا تعرف ما الذي حل بك ولا الذي جاء بك إلى حفلة غنائية لبوب مارلي، فتقرر بكل حكمة وكبرياء الاستسلام إلى مصيرك الأبيض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تسعة + خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى