غير مصنف

أنا أنثى!

إنها السادسة صباحاً، يرن المنبه بصوته الصاخب المعتاد، والذي اعتمدته بعد أن فقدت الإحساس بصوته المنخفض. أستيقظ من حلمٍ كان يراودني، إذ شاهدت نفسي خلاله أجلس في حديقةٍ هادئة، لا شيء تحتويه سوى أنها تحتويني حيث أجلس مغمضة العينين، شاردة الذهن في فضاء الكون، كبوذيةٍ وصلت إلى أعمق حالات التأمل.

يأتي من بعيد صوتٌ ما لبث يعلو ويعلو، حتى أجبرني على فتح عيناي لأرى المشهد من حولي، فإذا به صوت المنبه والواقع من حوله، ولسان حالهما يقول: “إنها السادسة صباحاً، هيا إلى العمل”.

أرتدي ثيابي الباردة وأخرج، لا رفاهية لاحتساء فنجان قهوة حتى ولو كان على زقزقة ضجيج الشارع، فأزمة السير الخانقة لا تحتمل التأخير، وبرودة المنزل لا تحتمل أن أجلس بهدوء.

في الشارع أتفقد لباسي الميداني كمقاتلٍ على الجبهة، فشعري مربوط بإحكام وحذائي مناسب للولوج بين الحشود إلى الباص دون خسائر. حيث اخترت حذاءً رياضياً مناسباً لذلك بدل الأحذية الأنثوية الناعمة المعتادة.

في الباص لا يوجد مجال كثيراً للتحرش من قبل الشبان، إذ حتى التحرش يحتاج لمسافة تفصل بين اثنين ويعني اجتيازها من قبل الشاب أنه يتحرش، أما هنا فالجميع متراصين فوق بعضهم البعض بحيث لا مجال لحركة أحد، ومع ذلك لا يخلو الأمر، لكن ثيابي العملية، ووقفتي المتأهبة تنذر بخطر الإقتراب مني.

أصل أخيراً إلى عملي، حيث عليي أن أتعامل مع الكثير من المراجعين الذين ما يلبثوا أن يتراكموا وراء بعضهم البعض، في حين عليي الصراخ أحياناً، والتعاطف أحياناً أخرى، فقد يمر شخصٌ يريد تجاوز الجميع، وقد يمر آخر يطلب ذلك بهدوء لظرفٍ ما.

لكن كل ذلك لا يعلق برأسي بقدر ما علقت تلك الحادثة عندما ناداني أحدهم من بعيد:

“يا بو الشباب”

حيث كان يظن أني شاب فعلاً، إذ كنت حينها أرتدي قبعة من الصوف فوق رأسي وقد لففت شعري بداخلها، كوني لم أستطع الاستحمام في الأمس لعدم وجود مياه في المنزل، وكنت أرتدي كنزة صوفية سميكة ومعطفاً سميكاً أيضاً وقد أغلقت أزراره حتى رقبتي لأحتمي من البرد، لعدم وجود تدفئة في مكان العمل، وبذلك بات من الصعب لمن يراني من بعيد أن يميز بين جسدي وجسد الشاب.

ابتسمت صديقتي حين أخبرتها بتلك الحادثة، ثم قالت لي “معو حق، إنتِ كمان لازم تهتمي بحالك أكتر، شفتي كيف دايماً بقلك لغة الجسد إلها دور”.

ينتهي عملي بعد الظهر، فأعود أدراجي إلى المنزل، حيث ألتقي بأمي تشرب كأساً من الشاي، لاجلس معها وأشاركها ذلك، إذ يمكنني الآن أن أشرب شيئاً بهدوء، وكأن نهاري قد بدأ الآن، خاصة وأن الكهرباء قد شرفتنا بحضورها فقمنا بإشعال المدفأة الكهربائية.

تقول لي أمي التي تفهمني دون أن أتكلم: “الله بعين يامو”.

ثم تصمت، وتتابع إيصال الرسائل دون أن تتفوه بكلمة، فأنا أفهم من ملامحها وحركاتها إحساسها بمعاناتي، وإحساسها بتقدمي في العمر دون أن أحظى بشابٍ يشاركني حياتي. لكنها مثلي تقف عاجزة أمام ذلك، وهي الوحيدة التي تعيش معي، بعد وفاة والدي، وسفر أخي.

أشعر بقلق أمي الذي تحاول إخفاءه عني، أشعر بخوفها من الموت وتركي وحيدة في هذا العالم المتوحش، ودائماً ما تقترح على أخي أن يأخذني إليه بطريقةٍ ما، ودون أن تمل من ذلك الاقتراح على الرغم من تأكيده الدائم بأنه يتمنى ذلك لكنه لا يستطيع.

نتناول الطعام، ثم أذهب لأنام قليلاً علَّني أستعيد قواي. وبعد ساعة من النوم أستيقظ على عتمة الليل، على الرغم من عدم غياب الشمس بعد، لكن شقتنا بالكاد يصلها الضوء بين حشود الأبنية المتلاصقة ببعضها البعض وكأنها سور حربي كبير لمدينة عظيمة، ليأتي انقطاع الكهرباء ويزيد الأمر سوءاً.

أزور صفحتي على الفيسبوك، أشاهد صديقتي التي تعمل أكثر مني وقد نشرت صورة لها وهي جالسة في إحدى المطاعم، حيث تقوم على حد تعبيرها بمكافأة نفسها كل بضعة أسابيع بارتياد مطعمٍ ما، لا للترفيه بل لتاخذ نفساً من العمل حسب قولها أيضاً.

أشاهد صديقة أخرى حالة عائلتها المادية جيدة مما ساعدها في عدم الاضطرار للقبول بأي عمل كيفما اتفق، وقد نشرت صورة لها وهي في بيروت حيث علمت أنها سافرت إلى هناك كي تشارك في ورشة عمل حول “تمكين المرأة”.

 ودَّعتني قبل أن تغادر وأخبرتني بأن سفرها للمشاركة في ورشة العمل تلك حول “تمكين المرأة”، فقلت لها مستهزئة “الله وإيدك مكنينا منيح”.

أغلق الفيسبوك، وأخرج من المنزل لأتمشى قليلاً، وأحضر بعض الحاجات من الدكان، حيث يفتتح صاحب الدكان حديثه حول الضائقة المادية التي يمر بها، فأفهم أنه يلمح إلى الديون المتراكمة التي لم أدفعها له منذ أشهر، وهنا عليَّ إتقان ملكة التفاوض والدبلوماسية، خاصة وأنني أحترم صاحب الدكان الذي بالكاد يلمح لديونه معي.

أنا آسفة، هل مللتم من قصتي؟

حسنأ سأدخل قليلاً إلى الحديقة المجاورة، علًني أرتاح قليلاً وأريحكم معي، سأدخن سيجارة في تلك الزاوية التي اعتدتها حيث لن يراني أحد، كشابٍ مراهق، يشعر بالحرج في أن يشاهده الناس وهو يدخن.

أجلس على الحجر، أدخن، أنتهي، أغمض عيناي، أشرد في فضاء الكون، كبوذيةٍ وصلت إلى أعمق حالات التأمل، فجأة يأتي من بعيد صوتٌ ما لبث يعلو ويعلو، حتى أجبرني على فتح عيناي، فإذا به صوت المنبه والواقع من حوله، ولسان حالهما يقول: “إنها السادسة صباحاً، هيا إلى العمل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 + ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى