ذاكرة مكان

حين أدار حنظلة وجهه 

في أحد أيام صيف 2010، مشى حنظلة أمامي بخطا متثاقلة، فسرتُ وراءه خاشياً أن أتقدَّمه فأرى وجهه. كنتُ خائفاً؛ لأنّي إن فعلت فلن أقدر على وصفه لأصدقائي، وهم لن يصدِّقوا أنّي رأيته حقّاً.

بعد فترة من السير جال في خلدي أنّه قد يتساءل إن كان من ابتكره ما زال يُذكر في كتبنا، فلم أرغب في التمادي بالكذب على شخصٍ أحببته طفلاً، فأجبته، بنوعٍ من التخاطر: لقد غدوتَ أشهر منه، فأنا لا أذكر أنّي رأيت صورةً له، ولكنّ صورك موجودةٌ في كلّ مكان.

لحسن الحظّ كنّا قريبين من إحدى “البسطات” التي تبيع الصور. صورٌ لكلّ الشخصيّات المشهورة موجودة هنا: غيفارا، حنظلة، تشافيز، مهند، كرستيانو رونالدو، نانسي عجرم، لميس.. كلّها مرصوفة بعناية فائقة على سور جامعة دمشق الخارجيّ بوساطة ملاقط الغسيل.

لا أدري إن كان حنظلة قد سُرَّ لما رأى، ولكنّه أطال التأمّل في المنظر.

بعد قليل، راودني سؤالٌ آخر توقّعت أن يرميني به: ما حال الثقافة إذن؟

لم أجد نفسي مضطراً للإجابة، فقد وصلنا إلى شارع “الحلبوني”، ليرى بنفسه الكتب متناثرة على جانبَي الطريق. تمنّيت أن تكون العناوين التي ستقع أعيننا عليها جيّدة، فخاب رجائي حالما قرأت ما رُمي هناك: الرسم بالكلمات لنزار قبّاني، شيفرة دافنشي لدان براون، إدارة المصارف لطلاب كلية الاقتصاد–السنة الثالثة، أسرار الليلة الأولى، مختار الصحاح، ماذا تعرف عن الجنس، أجمل رسائل الموبايل، حياتي لبيل كلنتون، كيف تصبح ناجحاً…. رفعتُ بصري، وتابعت المسير.

مرّت الدقائق التالية ثقيلة عليّ، ولكنّه تابع سيره دون أن يُبدي أيّ ملاحظة، وأنا تائه فيما قرأت من عناوين.

بعد قليل وصلنا ساحة الشهداء -رغبتُ في هذه التسمية كي أبتعد عن اسم “المرجة” المثير للشبهة- فرفع نظره قليلاً نحو (خازوق المرجة) مستذكراً التضحيات التي قُدِّمت هناك. سررتُ لذلك، ولكنّ أحدهم قطع عليّ ما كنت فيه من غبطة ليقذفني بسؤال: “استراحة أستاذ؟ 500 ليرة بس وما بتكون غير مبسوط”.

سمعت هذه المفردات مراراً، ولكنّها لم تؤثِّر بي سابقاً، إلا أنّ ضيفي الخاصّ في هذه المرّة جعلها كرصاصات شقّت طريقها إليّ. دفعتُه وسارعت في اللحاق بضيفي الذي، على ما أعتقد، سمع ما قاله “مسوّق الدعارة” ذاك.

توقّف حنظلة في شارع “الثورة” مشدوهاً بسيل السيارات المتدفّق بشكل عشوائيّ. أيقنتُ أنّه احتار في كيفيّة الوصول إلى الرصيف المقابل. تسمّرت في مكاني خلفه، رغم رغبتي الشديدة في الأخذ بيده وإيصاله إلى الجانب المقابل عساه يؤخذ بالألوان والأضواء في أسواق “الصالحية” و”الحمرا” فينسى ما رأى من قبل. لكن، ماذا لو رأى ما هو أسوأ؟ فما مررنا به في طريقنا كان أكثر من كافٍ.

يبدو أنّ التخاطر بيننا كان قويّاً، فشعرتُ بأنّه، هو أيضاً، قد اكتفى ممّا رأى، وأستطيع أن أجزم الآن أنّه ندم لعودته المخزية تلك. التفتَ إليّ ونظر في عينيّ مباشرةً. لو كنتُ بنفس السنّ التي ظننت فيها أنّه من الرسوم المتحرّكة لغدا الأمر أيسر، ولكن، وبعد ما رأيناه سويّةً، أحدثتْ نظرته تلك وقعاً رهيباً في نفسي. تأمّلت وجهه محاولاً حفظ بعض تفاصيله، ومترقّباً ما سيقوله لي بعد أعوام الصمت الطويلة.

– تفوه.. ثم أدار ظهره واختفى في الزحام.

..

– تفوه.. الله يلعن هذا الجيل. قم، تأخّرت على عملك.

– حاضر يا أبي، سأقوم حالاً.

خرج والدي من الغرفة، فاعتلت ابتسامة شفاهي حين تذكّرت أنّ ما قاله لي حنظلة في الحلم هو عينه ما قاله لي والدي في اليقظة. لا أدري إن كان حلمي جيّداً أو سيّئاً، لاسيّما أنّ الشيء الوحيد الذي فعله حنظلة، بعدما أدار وجهه، هو أن بصق علي،  لكنّي صرتُ الوحيد الذي رأى وجهه، وحسبي أنّ ناجي العلي أيضاً، مثلكم تماماً، لم يتسنّ له ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 − 9 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى