ذاكرة مكان

حدث يوماً.. هنا..

“المكان يعبق بالصمت، والاحجار تتكلم”؟

إنه العام 2011، في حي “يحيى عبد الحق”، في محافظة إدلب، تحديداً في منطقة “جبل الزاوية” عندما كان الأطفال ينتظرون بائع “الأيس كريم، الوظة”، في فصل الصيف، الفصل الذي يضاف إلى الأمطار المتفجرة الموسمية التي كانت تتساقط عليهم حينها، رغم أنهم في المنطقة المعتدلة من خط الاستواء، هذا المكان الذي يعج بالغرائب والعجائب. فعندما قرر “ابو محمد” المتزوج بثلاث نساء، والاب لستة عشر ولداً وبنتاً، الاستقرار بعد النزوح من منطقة “الشيخ إدريس” التابعة لسراقب، لم يجد مكاناً مناسباً تتوافر فيه مقومات الحياة له ولعائلته الكبيرة، والتي هي بمعظمها، أطفال صغار لا يعلمون ما يحدث، ويظنون بأنهم في رحلة سياحية يرون فيها معالم ما تبقى من بلادهم، ويزورون الآثار التي هي عبارة عن بيوت مهدمة منكوبة، وكوارث وأشياء خارجة عن المألوف.. ليقرر، “أبو محمد” الاستقرار بإنشاء مخيم، لعله يستطيع استقطاب المساعدات الإنسانية والمنظمات الخيرية، لوجود حالات إنسانية تستحق المساعدة في مخيمه مع عائلات إخوته، الذين نزحوا معه بداية، وأقاموا معه في هذا المخيم الذي أسماه “مخيم الهبة”، تلك الحالات التي تتمثل بالعجائز والمكفوفين والصم، والمساكين وأبناء السبيل، والباقي مثيرون للشفقة في معظمهم.

أما “أبو محمد”، البالغ من العمر سبعاً وخمسين عاماً، فكان يحمل هم المكان والزمان اللذين من الممكن أن يكون الاستقرار بهما شيئاً معقولاً، لأنه كان لا يريد أن يفجع بمكانه. خيمته هي أغلى ما يملك بعد عائلته، حتى إن التسول قد أضحى مهنته، لكونه رجلاً عاجزاً، ولعدم وجود ولد كبير يقف إلى جانبه، لكونه فقد ولديه الشابين في تلك الأحداث التي منيت بها سورية.. لكن تبقى المتغيرات دائماً لها نصيب من حياة الإنسان حتى في موته، وكذلك الأقدار التي تخفي في طياتها غالباً أشياء مريرة مرعبة نوعاً ما.. فقد استيقظ “أبو محمد” في ذلك اليوم المشؤوم الذي لم يؤرخه، لأنه أراد نسيانه للأبد، ليجد صاحب الأرض التي أعطاها له بالأجرة ليقيم مخيمه فيها، يطالبه بمغادرتها أو إن شاء أن يبقى عليه دفع ضعفي الأجرة، نظراً لغلاء الأسعار- حسب أقواله- ولعدم قدرة صاحب الأرض على الإنسانية التي كان يفتقدها.

 “أبو محمد” لم يجد سوى مغادرة مكانه، والعودة إلى المجهول في الشمال السوري، قاطعاً المسافات، لعله يجد مأوى يؤويه هو وعائلته.. لكن سرعان ما حدث في مثل هذا اليوم استشهاده، برصاصة طائشة إثر شجار كان يحاول أن يكون المصلح فيه، تاركاً وراءه عائلته وأولاده… لله فجأة من دون سابق إنذار، أي مفارقة هذه.. لكن لاحقاً سمع صاحب الأرض التي أخرج “أبو محمد” منها بمقتله، الذي ترك تأثيراً وحزناً شديداً في نفسه، فلم يقصر لاحقاً، باستدعاء عائلة “أبو محمد” وتوطينهم في مكانهم الأسبق ومساعدتهم، لدرجة أنهم أصبحوا الآن من الأثرياء والمكتفين بمعملهم.

هذا الأمر غريب، هل استيقظت إنسانية صاحب الأرض بعد وفاة “أبو محمد”؟ هل وفاة “أبو محمد” كانت الشرارة التي أيقظت وجدان الرجل؟ نعم هذا هو ثمن الأرض التي أورثها “أبو محمد” لأولاده بعد وفاته؛ الثمن وفاته. والمكتوب في لوح القدر ألّا يرى “أبو محمد” نهاراً أبيض.

«لقد أقمت في ذلك المخيم سنتين ونيفاً- يحدثني “عيسى” عن ذكرياته في ذلك المخيم في تلك الأرض القاحلة، التي تسكنها الوحوش البرية ليلاً، والبشر نهاراً- وتقريباً ليس هناك من فرق عندما نرى، “آكلي لحوم البشر”, ونرى الأغلبية مستعدين لبيع أنفسهم، لتأمين قوت أولادهم الصغار الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في حقبة تزعمها وسرق الأضواء فيها، بشر من سلالة الطغاة حكمت سورية وسرقتها وأبادتها عن بكرة أبيها… لدرجة أن الناس عندما ينامون يحلمون بأرواحهم أنها ما زالت في أجسادهم.. فهذه الكرة الأرضية لم تعد تتسع لمزيد من الأبرياء، ويجب أن تبقى للوحوش فقط.. وبعد ذلك ستتصارع القوى المهيمنة في هذا العالم على ثروات هذا العالم، الذي لم يتبقَّ منه شيئٌ، سوى الآثار والأحفوريات الشاهدة على ما حدث في مثل هذا اليوم.. تبقى الجماجم الصغيرة والكبيرة، والرفات الموجود في تلك المنطقة، ورائحة الموت القوية جداً التي تختلط بالأوجاع والدموع المنسية، من ذلك الزمن.. هذا هو المكان الذي تعلق به ملايين السوريين، صغاراً وكباراً، مكان موتهم جوعاً وعطشاً وقصفاً بمختلف أنواع الأسلحة المتوافرة، لم يكونوا على علم بأن ما كان يحدث في زمانهم هو أمر محرم دولياً، ومن يستعمل الأسلحة ضد العزّل سيتم تحييده، بواسطة مقال صغير من أي شخص في أي دولة من دول العالم».

ويتابع “عيسى”: «المكان الذين تعلق به أبي “أبومحمد” هو مكان موته، فغالباً ما تحب مكان موتك على اختلاف المكان والزمان.. هم يتباهون بالقتل والتدمير، لكنهم لم يعلموا بأن ما قاموا به هو الهلاك لأنفسهم ولغيرهم.. ما فائدة قتل الآخر؟ وهل حب القتل غريزة في نفس الإنسان الإمارة بالسوء؟ رحمك الله يا أبي، رغم مضي ألف سنة على وفاة أجدادك، لكن حق القول والفعل، أنك ملكتنا بدائية القرون الوسطى، وسنبقى نرجع إلى وقت العصور الحجرية، وسنأكل أوراق الأشجار، كما فعل سكان الشمال السوري في الزمان الغابر، وسيصبح عيشنا حلماً بالنسبة لنا، وسط هذا الموت المجاني.. لا بد من أمر عظيم حصل في ذلك الوقت، الأمر الذي أوقف حرباً استمرت زمناً طويلاً، وقتل فيها الكثير من الأبرياء، بأطنان من الألم غير المبرر، والأسلحة الباهظة الثمن التي كان من الممكن أن تكون طعاماً يكفي سكان المعمورة لقرون.. لكن، إذا كان الإنسان من طين، فكل الدروب التي سيسلكها ستكون إلى الطين مهما فعل، وأينما سار، هذه هي الجبلّة التي خلق عليها الإنسان، وسيبقى كذلك إلى أن ينقرض آخر إنسان على وجه هذه الأرض، التي استأجرها أبي لبناء مخيمه.. لعل نفس الإنسان الإمارة بالسوء، سرعان ما تجعله يفقد مقومات الحياة بفعل نيزك هائل، يأتي ليفجّر أسلحتها النووية، وليلتهم ما تبقى من هذه الكرة الأرضية، القابعة في هذا الكون العظيم، وسينزح أهل الأرض قاطبة إلى الموت، الذي سيأتي كاسحاً حياتهم، وستنتهي المعاناة». بيت القصيد في الإنسان، وحياة الإنسان التي ستنتهي بالموت رغم حاجته للحياة.. لقد نزح “أبو محمد” رحمه الله من موته إلى موته رغماً عنه، وسيعيش أولاده في ذات المسار على نفس الفقر الذي أضناهم، عدا عن الأسلحة التي ألقيت وستلقى عليهم… كلها مفارقات تفرض نفسها، والإنسان يفرض حياته، لياتي الموت فارضاً نفسه سيد الموقف، بطريقة بشعة نوعاً ما.. لكن بوجود القلم سنكتب ما حدث، فالدنيا كلها صارت أحداثاً، وكوارث.. رحمك الله صديقي “أبو محمد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × 2 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى