ذاكرة حدث

بين علمين

لطالما كانت طبيعة الإنسان من أكبر مشاكله، أما أكبرها أنه لا يعترف بأنهُ المشكلة عينها! الولاء والطاعة والعبادة والتفاني قد تُسلب من الإنسان ذاته لصالح أشخاص أو مجموعة أو أفكار وربما طقوس وعادات وحتى كائنات سامية؛ واعتقادنا بأن ما ننكر ذاتنا لأجله قد يرفعنا، هو إيماننا وتسليمنا بعدالة ما نصبوا إليه؛ والمفارقة أن ما نصبوا إليه قد يكون في عيون وآراء آخرون ظالما! وبالتالي فإننا سفلة حقيرون؛ وهذا ذاته ما ننظره إليهم إن اعتقدنا بعدم عدالة اتجاههم! وما الذي يحدد عدالة اتجاه من غيره؟ إنه الإنسان نفسه فهو الخصم والحكم!

              تجمعنا حوله نستمع إليه يخطب بنا؛ وعيوننا فيها الكثير من التعابير والكلام والمشاعر، بعضنا يتصيد هفواته، علها تكون مأخذا لنا في ردنا على كلامه؛ وبعضنا اتسعت عيناه اعجابا بهذا الممشوق الأشيب بلباسه العسكري وهيبته ومنطقه، ورغم أنه لا يضع رتبا على بذلته لكن كتفاه كانتا كفيلتان بملء كل فراغاتها. عرفنا أنه في موقفه هذا وخطابه الوسطي المائل إلى الموالاة مع خوفه علينا كمعارضين واختياره لكلماته بعناية يسعى إلى تجنيبنا مغبة تغول الأمن والجيش في بلدتنا! بعدها بلحظات دخل علينا آمر المنطقة الأمني وجلس وسطنا وفتح مجرور الخطاب البعثي الأسدي وبعثر في وجهنا خراء حضن الوطن ومكارم سيادته العظيمة، والمؤامرة والمقاومة والإرهاب التكفيري، وصرح أن القصر الجمهوري يعلم بهذا الاجتماع مع المعارضين على أمل التهدئة وعدم اجبار الجيش العربي السوري على تغير اتجاه فوهات أبراج دباباته إلى بلدتنا! غامزا إلى قربنا من معسكرات سيادته.

              استمعنا بنهم ولهيبنا بلون أزرق، كنّا كاملي الاحتراق! فقد زود يومها مجموعة مستهدفة من المعارضين الثائرين بكل الأكسجين اللازم ليحترقوا عن بكرة أبيهم ولا يتركوا أثرا لهم؛ بين خطابين نرى في الأول منهما ابن وطن يخشى علينا ويحاول ايصالنا إلى بر آمن رغم قدرته على سحقنا، وبين خطاب استلهم كل كلمات الأمن المقززة والمستفزة والعدائية وتقيأها في وجهنا، تهديدا ووعيدا وتحطيما لذواتنا. طوال جلسته نظرت إلى ابريق عصير الليمون، محاولا الاحتيال على نفسي والتفكير بالنصف الممتلئ منه! علما أن ما بقي منه في ذلك الصيف لا يتعدى عشره! أفكر في تلك الدقائق الطوال التي حفرت عميقا فينا جميعا ألما وقهرا، ونحن في صالون ضيافة أحدهم، وأُسقطها على حال المعتقلين في غياهب دهاليز الأمن واختناقاتها؛ كم هو الزمن نسبي! سريع وبطيء، خفيف وثقيل، يأخذ شكل حالتنا النفسية إزاءه، كما يأخذ الماء شكل الإناء الذي يحتويه. خرج بعدما أنتننا، ومع وجود تلك الرتب العسكرية على بذلته، إلا أنه كان وسخا دون هيبة! وكنا نمقته ونمتنى قتله.

              “ثلاثة لا تقربوهم: رئيس الجمهورية، حزب البعث، والعلم الأحمر. وإياكم ورفع العلم الأخضر” بهذه التوصية أنهى الأشيب لقاءه بنا، وتعهدنا بإصدار بيان نتبرأ فيه من التكفيريين والإرهابيين والعمل المسلح والدعوة إلى الانقسام، بل أنه طالبنا أن نتحدث عن الفساد بكل أريحية. أقفى وخطر لي أن أفلام الشرطة الأمريكية لطالما تحايلوا على المجرمين في تحقيقاتهم بدور الشرطي الجيد والشرطي السيء! هل كانا يمارسانه علينا؟ في الحقيقة لم تكن تلك المرة الأولى التي أنال توصية بعدم رفع العلم الأخضر! قالها صديق لي يوما عندما نصحني وقت أنشأت صفحة تضم المدنيين السوريين المنتفضين في وجه المجتمع العسكري؛ العلم الذي كان خلفية لصور كبار رموز سورية كسلطان الأطرش ويوسف العظمة، حين أصدرت الحكومة السورية طوابعا بريدية في ذكرى الجلاء صار رفعه من المحاذير! عجبا! يومها لم أكن على دراية أن علم الاستقلال صار حكرا على الثوار في وجه علم الوحدة الذي يمثل النظام البعثي! فلم أفهم أي علم يقصده ولم يخطر لي أن هناك مشاكل بين أعلام الوطن!

              تزداد الهوة وتتسع بين أبناء الوطن، ويصير العلم الأخضر مصدر اطمئنان لنا في وجه أعلام أخرى كالعلم الأحمر والعلم الأسود وتكثر أعلام الكتائب والفصائل وغيرها! ويبقى العلم الأخضر أمانا بدولة مدنية علمانية حقوقية، دولة راقية كما تركها لنا أجدادنا قبل أن ينقض عليها ذئاب البعث. يكثر اللغط حول ما يمثله هذا العلم وأنه يحتوي الفصائل الإسلامية المتطرفة وغيرها ويندرج تحته كل ثائر متنور ونصف متنور وعلماني ونصف علماني ومثقف ونص مثقف ومن لا يملك أيا مما سبق! ويصبح دليلا لنا على كثرة الفيديوهات التي تظهر معارك الجيش الحر لنعرف أن ما يدور على الأرض يمثلنا أم لا! وعلى قنوات الإعلام الرسمية والمعارضة والمحرضة تجاذبٌ حول رمزية العلم، حتى صار هو القضية.

              أتابع على التلفاز متملقا من أحزاب الجبهة أعرفه شخصيا، يتحدث عن ميزات العلم الأحمر وشرفه، وينعت الأخضر بأنه علم الانتداب الفرنسي ووضعه الفرنسيون! هذا المتملق صار ممن لديهم “كرت بلانش” ويستطيع رؤية “سيادة الرئيس” متى أراد. كان إنسانا وطنيا وله مواقفا جيدة ونشاطا جيدا! ما الذي جرى؟ قيل أنه رُقي لمنصب ما ولهذا صار ممن سيصرعنا على التلفاز في المستقبل. سنضيف على المقدمة إذا بأن اقتراب الإنسان من السلطة قد يكون من كبرى المشكلات؛ لكن ليس كل من أغريته بالسلطة والمسؤولية والملذات يتقبل أن يطبل للباطل! وهذا الأحمق يطبل ويفتري عليه، وهو يكذب لأني على ثقة أنه قارئ مرٌّ فلما هذا الافتراء!؟ إن من يطبل للباطل هو نموذج مجرد لمشكلة الإنسان نفسه التي تعتبر أمّ المشكلات! الإنسان في نظر نيتشه كائن غير محدد الهوية وناقص لأنه يملك العقل، فالعقل نقص الإنسان وليس كماله، والحيوان مفهوم السلوك لأنه محدود العقل ومحدود التصرفات، أما الإنسان فلأنه لا منتهي الخيارات في التصرف يبقى غير مفهوم! وهذا الأبله المزوِر للوطنية طامع فيما بلغ، والطمع هو السلوك الأشنع لدى الإنسان كما الغرور هو الخطيئة المفضلة لدى الشيطان.

              يمكن لنا أن نفهم أن العلم يمثل القضية، لكن بعدا آخرا كان يختفي وراء العلمين! لم يعد هناك ما نلتقي لأجله مع أبناء وطننا في المقلب الآخر؛ حتى أن الأمن انقسم على بعضه وصار قسم منه في بلدتنا يحاول الحصول على ميزات جديدة من القصر الجمهوري عبر انجاز العمل غير المكتمل لدى القسم الأمني الآخر، وإظهار نفسه على أكتافهم، ومن بين هذا العمل غير المنجز كان إلقاء القبض على المعارضين الأحرار في بلدتنا، بلغنا أن قائمة أعدوها وأننا قاب قوسين أو أدنى من الاعتقال، فتوجه بعضنا إلى مكتب الأمن الذي نعرف أنه من الممكن لنا التعامل معه وأطلعه على وضعنا وما بلغنا، فطلب اجتماعا بنا، وجرى ما جرى وحلّ الأمر. لكن مَشَقَةَ مجموعة معارضة تجنبت الاعتقال بمحض صدفة بحتة والقليل من الحظ والذكاء، لم تكن هي القضية، ولا قضيتنا تتلخص في علمين اثنين! بل كانت أننا بتنا عالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرة − 9 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى