ذاكرة شخصيه بورتريه

سمية

“كمن يخرج من رحم أمه، خرجتُ من قريتي (الفوعا)، وأنا أدرك مع كل مسافة أقطعها بمخاض مرحلة جديدة ملأى بالصراع. على الرغم من أن خروجي جاء نتيجة انتهاء المعارك في القرية، إلا أنني كنت على يقينٍ تام بأن المعارك قد باتت أمامي لا خلفي”

بتلك الكلمات تلخِّص سمية مشاعرها تجاه مسيرة انتقالها من قريتها، التي عاشت فيها مع زوجها وأطفالها، إلى دمشق. حيث ستقذف بها الحياة الجديدة وحيدةً بوجه عالماً يضج بالصراع من أجل البقاء، والبحث عن النجاة.

أدركتْ سمية بفطرتها أن الخروج من دائرة حياة قريتها بين زوجها وأطفالها، وبجانب أهلها وأقاربها، سيعني انتهاء مرحلة اتسمت بوجود إطارٍ اجتماعي وأخلاقي واضح المعالم، وراسخٍ منذ القدم هناك، بحيث يضمن لها حياة هادئة تنمو خلالها دون قلقٍ وجودي تجاه ما سيواجهها في الغد.

وما إن استقرت في دمشق حتى بدأت توقعاتها بالتحقق، فزوجها سينخرط في عملٍ يملأ نهاره كاملاً، ليعود في الليل منهك ومتوتر، فيبدأ بتفريغ غضبه وقهره بضربها، لتغدو عادة ضربه لها أمراً روتينياً، عليها تلقيه بشكلٍ شبه يومي، ودون أن تقوى على اتخاذ قرارٍ حاسم حياله. فسمية اليوم باتت بين نيرانً كثيرة، فلا هي بالقادرة على هجرانه والدخول في حالة ضياعٍ جديدة، في مكان تشعر وكأنه لا يلبث يخبئ لها المصائب والعداء، ولا هي بالقادرة على ترك أطفالها، ولا قدرة لذويها المشتتين في مساندتها بأكثر من المواساة ومجرد كلام التهدئة مع زوجها.

تقول سمية: “بعد الصفقة التي تمت بين النظام والمسلحين، خرجنا من قريتنا منهكين لا نقوى على عمل شيء، خسرنا بيوتنا وأرضنا وكل شيء نملكه، وفي بداية تجولي في دمشق شعرت بأن الناس هنا تعيش بعيداً عن معاناتنا، وكنت ألتمس البحث عن حياةٍ هادئة مثلهم، لكني فهمت بعد حين بأن ذلك الهدوء ما هو إلا السطح الظاهر والذي يخبئ تحته العذابات والقهر، لأدرك أنني أحيا اليوم بين ملايين الناس الذين يعانون مثلي ولا يبوحون، بل يحاولون الالتهاء بروتين حياتهم والاختباء بظله، دون أن يقووا على فعل شيء”.

لكن، وعلى الرغم من إدراك سمية عدم وجود الأمان خارج منزلها كما داخله، إلا أنها لم تعد تحتمل العنف والإهانة، وعزمت على اتخاذ قرارها بالمغادرة وطلب الطلاق من زوجها.

هجرت سمية منزلها، وكانت وجهتها منزل والدها، الذي اتخذ شقةً صغيرة في عشوائيات دمشق مع زوجته الجديدة، وقد كانت سمية تدرك بأن محطتها تلك مؤقتة، إذ لا يمكنها أن تبقى مطولاً في منزل والدها وزوجته الصغيرة، لتتجه بعدها لاستئجار غرفة صغيرة تأويها وتستطيع متابعة عملها ريثما تجد حلاً ما، وإن كانت لا تدرك ما هو ذلك الحل وماهيته، فبعد خروجها من قريتها باتت على يقينٍ تام بأن الحلول الجذرية قد غادرت إلى غير رجعة.

تعرفت سمية لاحقاً على إحدى جاراتها في البناء، وقد كانت تلك الجارة تنحدر من إحدى قرى ريف دمشق التي تم تهجير سكانها أيضاً.

تقول لي سمية بأنها شعرت بالإحراج حين عرفت أن جارتها مهجرة من بلدة الزبداني، وهي البلدة التي تم إخراج أهلها منها بذات الصفقة التي أخرجت سمية وأهلها من قريتهم. لكن حديث الضحايا عن قرب يختلف عن مخططي الصفقات الكبرى.

كانت جارتها تحمل حقداً على الحرب التي أوصلتهم إلى هذه الحال، فخسارتها لحياة بلدتها الاجتماعية حيث التعامل الأهلي بين الجيران ركناً أساسياً في الحياة، ساهم في تقبلها لسمية التي اعتادت إلقاء السلام على جارتها، وشعرت بقربها منها لولا ذلك الحرج الناتج عن الانتماءات المسبقة. لكن وجود الإمرأتين في ذات المبنى والشعور المشترك بأنهما ضحية لسببٍ واحد لم تخطط له أيٌّ منهما، واشتراكهما بنفس الخسارة، زاد من إمكانية التقارب والتشارك في تداعيات الخسارة كامرأتين لا حول ولا قوة لهما.

تحكي سمية بأنها كانت تصادف جارتها في البداية إما وهي صاعدة درج البناء، او في محل الخضراوات القريب، فتكتفي بإلقاء السلام عليها، وتكتفي الجارة بدورها برد السلام، ليسود صمت قصير تعجز أي منهما عن كسره.

لكن سمية لم تدم طويلاً في غرفتها، بعد أن حاصرها زوجها عن بعد، وذهب إلى مكان عملها وطلب منهم إخراجها منه لعدم موافقته عليه، وهي التي ما زالت تعتبر زوجته ولم تحصل على الطلاق بعد. وفي حين عدم قدرة ذويها على مساندتها وعدم قدرتها على العيش وحدها بلا عمل وبعيداً عن أطفالها، قررت سمية العودة إلى زوجها على أمل أن يغير من طبيعته بعد هذه الفترة من القطيعة.

وفي اليوم التي كانت تهم فيه سمية بالمغادرة، شعرت بجارتها تفتح الباب لدى وصول سمية أمام شقتها، ولم تكتف الجارة هذه المرة برد السلام فقط، بل بادرت إلى سؤال سمية عن صحتها وأحوالها ومن ثم قامت بدعوتها لزيارتها. ترددت سمية في البداية وشعرت بأن الدعوة ليست إلا من باب إحساس الجارة بالواجب، إلى جانب أنها لم تكن تقوى على التفكير أكثر من ذلك حينها.

انكسار سمية بعد كل ما حصل معها، جعلها تهوم في حقل اللاتفكير وشلَّ قدرتها على المبادرة ورد الفعل، وقد استشعرت جارتها ذلك بعد سؤالها عن أحوالها ومن دون سماع جوابٍ واضح من سمية، والتي اكتفت بهز رأسها فقط.

لكن الجارة التي تيقنت من انكسارٍ ما خلف وجه سمية، أصرت على دخولها لتُظهر لها بأنها ليست دعوة عابرة وإنما هي جادة في تشارك الصباح معها، فعاودت العرض عليها للدخول وهي تقول: “زوجي مو هون اتفضلي، منشرب قهوة وبتمشي، ما رح أخرك”.

دخلت سمية وجلست على حافة الصوفا في المطبخ متكورةً على نفسها وكأنها تخجل من أن تأخذ حيزاً معتبراً لها في المكان حسب تعبيرها، لتضع الجارة القهوة وقطعتي بسكويت، وهي تقول لها: “أهلا وسهلا، خدي راحتك، وما تنحرجي”.

لكن الجارة التي بدت متماسكة نوعاً ما، ما لبثت أن بدأت الحديث بلعن الحرب والتهجير، والقول بخسارة الجميع، وبأننا جميعاً بتنا ضحايا، ثم انهالت بالحديث عن ويلات الحرب التي عاشتها، ومعالمها تدخل رويداً رويداً في يوميات الحرب، وتطبع كل قصة على وجهها ردة الفعل التي عاشتها حينها من خوف ورعب وقلق. وكأن أصوات الحرب لا زالت بداخلها وما إن تستحضرها حتى ينكمش جسدها مجدداً.

الرعب، الحصار، الموت، التهجير، تشتت الأسرة، ضياع المبادئ الأخلاقية، وانفراط عقد العائلة، كل ذلك حضر فجأة في مجرد حديث صغير لم يتجاوز بضعة دقائق.

الجارة انتبهت إلى استطرادها في حديثها، على الرغم من أنها شعرت إلى جانب رغبتها في الحديث عن معاناتها، شعرت بأن ذلك قد يريح سمية قليلاً إن هي التمست مشاركة الآخرين لقصصها. وبعد برهة من السكون، سألت الجارة سمية: “وانت، شبك؟”

صمتت سمية قليلاً، بعد أن سمعت مقتطفاتٍ من قصة جارتها عن الحرب، وأخذت الأفكار تدور برأسها، لتستحضر حياتها في ثواني حتى تصل إلى حصارها في شقتها الصغيرة، بعد أن كانت تملك منزلاً واسعاً، وكيف باتت تعاني حتى من غضب زوجها بين الحين والآخر، وابتعادها عن أهلها أيضاً.

وبعد صمت سمية للحظات، وضعت فنجان القهوة من يدها، ثم أجابت ومن دون أن ترفع نظرها عن الأرض:

“وأنا نفس الشي” واستأذنت بالإنصراف، ثم غادرت والدموع في عيني كلٍّ منهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 + أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى