ذاكرة حصار

الرابع عشر من رمضان

بين الموت و الحياة هناك طريق …

لا أعلم إن كان طريقاً للصعود أو الهبوط و لكنه رغم كل شيءٍ صراط ،  مستقيم أو متعرج كشوارعه لا أرى لذلك أهمية  فقليل من عبر و من لم يفعل لم ينتظر و كل شيء تبدل .. دعني أخبرك أن المخيم كان يعبر على ذلك الطريق المستدق المضروب فوق الجحيم و المودي إلى الجحيم بهدوء ، أو لأقل أن الأمر كان كذلك في البداية قبل أن يبدأ القداس الجنائزي بالاقتراب..

أسأل نفسي أحياناً ما جدوى نبش القبور؟

تنتشر هنا عادة لا أعلم إن كان منشؤها رومنسياً أم هو الفقر الذي يتدخل في بلاد الفقر  حتى في الحياة و الممات

هذه العادة هي فتح القبور لإنزال الميت تلو الميت تلو الميت فوق الميت ..

هل كانوا عشاقاً؟

في مقابر الذاكرة الأمور أكثر انتظاماً ، فلكل شيءٍ مقامه الخاص و حيزه الخاص ؛ فلا داعي إذن للاكتظاظ،  المكان هنا فسيح و يتسع لكل شيء و كل شخص و كل لون يا سادة .

هو اليوم الرابع عشر من رمضان.

يعجبني في رمضان علاوة على تذكيرك بفقرك رغم تبجحك،  أنه يوائم بين الشمس و القمر و حاجات طبيعية لكثير الخلايا المسمى للتمييز أو النسيان إنسانا ،  أكثر الشعراءُ و الأدباء في وصف استعلاء الشمس على القمر و لكن هذا الشهر يعطي أفضلية للقمر أو هكذا أظن ..

أقول لولا وجودهما لكان كل شيئ مختلفاً .

لأكون صادقا و بعيداً عن مبالغات الحالمين ، المخيم لم يكن جنة  و لكنه على أية حال لم يكن بيوم من الايام جحيما ً ،  مخيمنا الجميل لم تكن به خيام بل كان اسمنتياً بالكامل، و نما في العام الأخير كما لو أنه نبتة سقيتها بالماء، فاقترب البناء من السماء  و من كان يدري أننا و السماء سنكون على موعد طويل قادم بدأت معالمه بالظهور مع ارتفاع صوت الأوركسترا شيئا فشيئا .

أية عاصفة تلك التي اقتلعت الأوتاد من الأرض ،  أم أن متلازمة المخيم تجعل الحبل السري للإنسان مع الأرض رقيقاً ضعيفاً.

يتردد بيننا مثل بسيط و لكنه غريب ” الجنة بدون ناس ما بتنداس”  ..  حين كنت صغيراً و سمعته للمرة الأولى أثار دهشتي و أنا الذاهل دوماً على رأي من قال .. أصغر ما في خلقك يسكرني مولاي فكيف الإنسان ..

كيف للجنة أن تكون بلا طعم بدون صحبة؟  من ذا الذي قال هذا الكلام؟

من صعد إليها و عاد غير النبي؟ الذي بحثت على صغر سني حينها عن أصل لهذا الكلام بغير جدوى بين ما توافر لدي من كتب للحديث .

في ذلك الرمضان اقتربت من فهمٍ جديد لهذا المعنى و لكن هذا الفهم أشبه ما يكون برؤية وجهٍ قبيح للميدوسا   من رأوه لم يعودوا أبداً أو عادوا خائبين .. و قد فعلت ..

لقد كذبت .. مرة أخرى .. المخيم كان جنة أو جُنة نتقي بها و قد كسرت رباعية المخيم فانفرط العقد و أمام شجرة الخلد تكرر المذاق المكرر .

و هبط الناس من تلك الجنة إلى تلك القارات و لحسن حظنا لم نذق نحن من تلكم الشجرة ،  فبقينا في الجنة لنواجه الفناء.

بداية طبيعية ليوم طبيعي ..  مر سبعة أيام على إغلاق الحاجز

لم يكن شكل المخيم الشبه منحرف يفهم وجود الحاجز بعد و على هذا فهو على الأرجح – أي الحاجز –  سيفتح في الغد أو كن متشائما  و قل بعد الغد ..

” لك خيا بكرة بيفتح ،  شو بدو يضل مسكر فكرك؟ ”

” نحنا فلسطينية ،،  إلنا وضع خاص ”

منشأ الوضع الخاص هو الاستثنائية أو الفرادة ،  و زعم فيما زعم الزاعمون أن المخيم هو المحور الذي تدور حوله الكواكب  و لكن من كان يدري أن المخيم هو المحور الذي ستدور حوله و به و عليه و من فوقه و من تحته كل الدوائر ، و بكل الأقطار ..

لا ضير ..  ألسنا نحن من كان يغني  (غيم يا جو و هات..  شو في عواصف هات) .

لم يكن ليجول في خاطر أحد أن تلك الأيام السبعة ستليها أيام عشرة فمئة فأموات ..

كنت أستريح في شارع الثلاثين في ظل مكتب للعمل بعد أن أتممت تجهيز احتياجات ما سنطهوه اليوم من طعام

بدأ الطباخ بالعمل  و بدأ صوت في الأثير ينادي .. ماذا يطبخ تجار الشام على نار جهنم .؟

” شو نطبخ اليوم خيا ابو أحمد؟  ” كنت قد سألته من الصباح

” سبع دول”  اسم غريب لطبق لا رابط بين شكله و المضمون ، فخضار هذا الطبق قد يتأتى لك من دولة واحدة و إن عددت أصناف هذا الخضار لن تجدها سبعة و لكن هذا هو اليوم السابع للحصار على كوكب بسبع بحار و سبع اراضين و سبع سماوات و قارات سبع ، و للهاتف الذي انقطع مؤخراً سبعة أرقام ..

خجولة هذي الفتاة ..  حدثت نفسي عن صبية جميلة كانت تعمل معنا مؤخرا في صيدلية توزع ما توافر من قليل الدواء على مرضى المخيم الكثيرين.  اعتاد خطيبها أن يوصلها إلى مكان عملها كل يوم ،_ ليس ليحميها من المشاكسين فالمشاكسون كانوا قد أكلوا من شجرة الخلد من شهور و نزلوا إلى الأرض_ و لكن ليختسلا الوقت من الوقت، أو ليمارسا الطقوس التي كان عشاق المخيم اعتادوا ممارستها ، من تأبط أذرعة بعضهم البعض و التمشي  .

يوصلها إلى عملها و يعود إلى صيدليته في أول الشارع .  لا زلنا أحياء و لازالت لذة العيش .. اختلاس ..

كنت مسترخيا عندما دقت الساعه الثانية و تذكرت  ” أين عبيدة و جمال؟  لم أرَ اليوم براء! أين عساه يكون  و هو الذي لا يستطيع أن يفعل شيئا و هو صائم ..؟

دوى صوت من جهة البطيخة . و التي ما هي إلا نافورة بشكل كروي عند مدخل المخيم الرئيسي من جهة الشمال

و لا مجال للحديث عن حسن حظ باختيار تلكم البطيخة .. فهي كانت حمراء .. أكثر احمرارا.. أكثر من اللازم

استمر هذا الصوت بالاقتراب كسائل ينساب من زجاجة بسرعة إلى أن انسكب فجأة .

صوت انفجار قريب .. !  انفجار آخر بعد ثوانٍ قليلة

خرجت لأرى فإذا بالدخان و الغبار يسربلان اول الشارع ..

لم يكن شيئا غير مألوف فهذا المطر ينهمر بكثرة هذه الأيام ،  و ألف شكر للمصادفة السعيدة فلا زلنا أحياء

خرجت من الصيدلية و نظرت إلى مكان الانفجار و شهقت بألم .. ! تذكرت ُ أن خطيبها يعمل قرب ذلك السراب

ركضت باتجاه الدخان علني أكون الأسرع بجلب بشرى النجاة

لحظة اقترابي سمعت صوتا يصيح من الدور الأول في بناء …  “هون هون في إصابات”

صعدت الدرج بسرعة لأجد الجميلة نائمة . نومة لن تستطيع قبلة أمير و لا وحش أن توقظها منها و لكنني انتشلتها لينساب عقلها الصغير على يدي ..  صرخ بي لحظتها أحدهم

انتا هون؟

ليه

خيا سيارتكم تحت الردم برا

صعقت!

ويلاه! ماذا أتى بالسيارة إلى هنا؟  اللهم اغفر لي فقد أفلتت الجميلة الميتة من يدي لأبحث عن جمال آخر في جمال و عبيدة ..

نزلت لأجد سيارتنا قد عانقت سقفاً و جدراناً و جيراناً ..  بدأت أصرخ بأعلى صوتي

جمااال  عبييييدة

للضجيج صوت كل شيء إلا صوت جمال و عبيدة

اقترب  أحدهم و صاح بي ..  خيا اخدوه عالمشفى

مين

براء

يا إله السماوات ..  براء؟

”   لا تخاف خيا اصابتو ما كتير خطيرة ”

جاءت سيارة الإسعاف ..  ركضت نحوها ” خيا ابو محمد  شفت جمال و عبيدة شي؟ هاي السيارة المدمرة كانو يركبوها ”

لا والله ما شفت من الشباب غير براء ..

هل يعقل أنهما لا زالا تحت الأنقاض

تعلمت فيما سبق أن الشلل يصيب الجسم ولكن يومها كان للشلل معنىً روحيٌّ ..  بدأت اركض يمنة و يسرة بجسم محموم و روح مشلولة  هل يعقل أن نفقدهما؟  بدأت أسراب النمل تمشي في رأسي بسرعة النار في يوم عاصف

دخلت في زقاق قرب الانفجار علي أسمع خبراً من الجيران عن ضالتي فبادرني أحدهم بالقول

” الحمدلله على سلامتك ” صرخت به ” ليييييش “؟

سلامتي ؟ أتراني سالماً ؟

فجأة سمعت صوتاً ينادي

“خيا اب مصعب ”

التفت لأرى فإذا هو عبيدة …  لا أعلم كيف قفزت باتجاهه لاعانقه و اعنفه و أقبله و ابكي …

لا لم أبكي .. ثلاث حبات من الرمل دخلت بعيني ..  و هاقد علمت أن جمال أيضاً بخير

ثلاث حبات من الرمل،  من رمل الجنة الذي بغير هؤلاء الناس كيف يُداس ..

نظرت إلى يميني لأرى صديقتي الصيدلانية القصيرة الخجولة قد تخلت عن الخجل و التفت يدا حبيبها عليها و هي تبكي على صدره ..

ما بال الرمال تدخل بكثرة في عيون الناس هذه الأيام ؟

لسنا بحاجة رمل فعيوننا ملآى بما هو أجمل يا سادة ..

هل هذا مكان مناسب للحب يا صديقتي؟

سأل أحد الشعراء في قصيدته .. أيهم الميت أن القبر يزخرف؟

و أراني أسأل …  أيهم الحي بأن الموت يخيف ؟

أتاني ذات الشاعر بالإجابة

نشاز مكتمل .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى