بين القصرين “ذاكرة غير متخيلة لأيام الحصار”

شارك القصة

لم يكن أي شيء عادياً في باريس في تلك الأيام …

أو لنقل لم تكن باريس هي ذاتها،

هل كانت أسوأ الأزمنة ! هل كان عصر الحماقة ! هل كان عهد الجحود !

هل نحن في الجنة ؟ هل نحن في الجحيم ؟

كل يوم يمر تنضم أعداد غفيرة من الشعب إلى صفوف الجوعى و المعدمين و لا يبدو أن نداءات الاستغاثة التي بثها الشعب في السماء والأرض  قد لاقت إجابة و كأن فكرة قديمة عادت لتبعث من جديد، يوم كان المؤمنون يصلون و يعبدون إلهاً ..

هل تخلى الرب  عن شعبه؟

هل يمكن أن يكون البابا و قساوسته لا يوصلون الشكوى للآب السماوي المقدس ؟

هل يمكن أن يكون الآب السماوي المقدس لا يفهم سوى اللغة التي يتكلم بها الملك و النبلاء و رجال الكنيسة ؟

و كذلك فالاستغاثة بمن في الأرض يبدو أنها بلا جدوى أو أنها تصل معكوسة إلى جلالتهم ..

تباً للحاشية التي لا تخبر الملك بما يريده شعبه ..

تباً لوزراء الملك الذين لا يخبرونه بما يحصل لشعبه ..

تباً للأسقف الذي لا يخبر الله و لا الملك بما يعاني منه الشعب ..

عاش الملك .. عاش الملك

أنهت الملكة الجميلة استحمامها بماء الورد و جاءت الوصيفات ليساعدنها في ارتداء أجمل فساتينها و يصففن لها شعرها ، بقوامها الرشيق كانت تجول بين ردهات فرساي كفراشة الربيع محتارة أي الأزهار تُكافئ ، كيف لا! فهي الملكة الشابة ابنة الملوك  و زوج الملك و أم ولي العهد ، متوجةٌ بحق إلهي مقدس لا يمكن لمؤمن تجاوزه ،اجتمعت فيها دماء أنبل العائلات الملكية  الأوروبية و لم يبق نبيل فرنسي إلا و يحلم بنظرة من عينيها الرماديتين الزرقاوين

كيف لي أن أتنفس ؟ صاحت الملكة بوصيفتها التي شدت الكورسيه أكثر مما يجب

أشعر أنني محاصرة هكذا..

اعتذرت الوصيفة بأدب جمّ و أصلحت من حال فستان الملكة الجديد الذي ستظهر به في حفلة اليوم .

 

 

  • الشيطان وحده يعلم ..

أجاب أحد الشحاذين من سأله عن الطريق إلى مخيم اليرموك ، أحد الضواحي الباريسية المعدمة و التي كانت بيوم من الأيام من أثرى أحياء باريس و كانت صالونات النبلاء و بيوتات الأزياء تزينها أيام الملك لويس الرابع عشر و لكن اليوم يتربع مخيم اليرموك على قمة العوز و الفقر .

 

تحركت العربة بخيولها الأربعة بعد سؤالها لذاك الشحاذ الذي كانت نبرته تنم عن استياء و اشمئزاز ظن راكبو العربة أنه ناتج عن خجله منهم – يا لحسن ظن النبلاء بالآخرين – و استمرت بالتحرك  بين أزقة باريس حتى وصلت إلى مدخل مخيم اليرموك ..

تمدد المخيم أمام المبعوث الملكي و أحد ضباط الحرس – و هم سويسريون حسب العرف الملكي – كثور عجوز نائم  ، فالوقت لم يكن متأخراً و لكن الظلام يعم المشهد و لا شيء ينم عن الحياة سوى صوت غناء متقطع لعجوز سكير اتخذ من قبو قريب هو نقطة قديمة لتجميع مياه المجارير  ، أغنيته كانت أشبه ما تكون بنبوءة من زمن سحيق ..

يا روما نيرون حقير

اعترفي

شجر الشيطان لذيذ

لكن الأرض مصير

لكن الأرض مصير

 

قال المبعوث الملكي لضابط الحرس أرأيت كل هذه القذارة التي يعيشون بها و رغم ذلك يستطيعون الفرح و الغناء .. فعلاً هذا شعب الجبارين

لا أعلم لماذا يحتفظ بهم جلالته على هذا الحال

  • لا تقلق سيدي الوزير ،اكتب قي تقريرك للقيادة ما تشاء فأنا لن أخبر أحداً بشيء و تمتم في نفسه طالما أنك تدفع لي قل ما تشاء و من يعبأ بحياة هؤلاء الملاعين ؟

عادت العربة مسرعة إلى فرساي علّها تلتحق بالحفلة التي يقيمها البلاط الملكي على شرف موفد منظمة التحرير .. و قد حصل .

بدأت الحفلة بعزف النشيد الملكي و من ثم أدّت الأوركسترا الملكية نشيد

فدائي .. فدائي

فدائي يا أرضي يا أرض الجدود .

و تلا ذلك تقطيع لقالب من الكاتو  على شرف الضيوف تزينه الأعلام الملكية و أعلام منظمة التحرير بفصائلها الأربعة عشر،  كيف لا فقالب الكاتو من سبعة طبقات و  كعكة لكل فصيلين و المتبقي للنفاية و ليس لأحد .

ثم قرعت الأنخاب و لكل شيء نخب ..

للقضية نخب و للصحة نخب و للنصر نخب و للتحرير نخب ولسلام العالم أنخاب

ثم انفجرت الأوركسترا تعزف المازوركا و صاحبها أداء لمغنية البلاط بأغنية

علي الكوفية علي و لولح فيها ..

تحلق الحاضرون حول أزواج الراقصين محدقين بجمال هذا المنظر فالفساتين المزركشة و أكمام الدانتيل و العطور الفواحة لا يمكن إلا أن تصيبك بالدوار و أنت تشاهد ، فكيف بك و أنت ترقص ..

جلالة الملكة ماري أنطوانيت … نادى حاجب البلاط مؤذناً بقدوم الملكة

تقدمت الملكة بخطى ثابتة مملوءة وقاراً إلى البهو يتبعها وصيفاتها كأنها منحوتة رخامية ، آلهة يونانية ، كيف لهذا الجمال أن يكون موجوداً !  و التهمتها عيون الحاضرين التهاماً و أخذت تحيي النبلاء و الحضور كل واحد باسمه عملاً بالعادة الملكية التي تنص على حرمة البدء بتحية الملكة إن لم تبدأه هي ، فقد تظل كشخص نبيل نسياً منسياً في الحفل ما لم تحييك الملكة أو يقدمك أحد لها ، لا أعلم إن كانت الملكة تتبع هذا الاتيكيت حتى مع الشعب ..

كان الملك في مكتبه حينها يناقش بعض القضايا مع وزير المالية …

  • جلالة الملك إنّ نفقات القصر في الأشهر السابقة أصبحت كبيرة جداً بحيث اضطررنا لاستدانة مبالغ كبيرة من المرابين اليهود و لا يبدو أن مولاتي جلالة الملكة تعبأ بهذا فهي تبدد الأموال بكرمها المعهود و تهب المبالغ الكبيرة لوصيفاتها لمجرد مزحة يضحكنها بها كما أن مبادرتكم النبيلة و اشتراكنا في حرب الاستقلال الأمريكية التي ساعدت الأمريكيين على نيل حريتهم أرهقت ميزانيتنا جداً بحيث أننا اليوم في وضع بالغ الصعوبة زاده سوءاً ضعف المحاصيل و قلة الواردات إلى الخزانة و حركة التجارة الداخلية تدهورت مؤخراً  فلا بد من إيجاد حل لهذه المشاكل يا صاحب الجلالة ..

أردف الوزير المفوض : و ليكن في علم جلالتكم أن استمرار هذا الحال ينذر بانفجار التمرد من بعض النبلاء في المقاطعات نتيجة قلة أعطياتهم من الخزانة الملكية

  • إذن لا بد من رفع الضرائب و تحصيلها سريعاً ريثما نمر من هذه المحنة و حينها نبحث في اعتماد سياسة مالية جديدة ، و يا أيها الوزير لا مانع من صرف مبالغ سريعة للنبلاء من خزانة الملك الخاصة و إمدادهم بالأقوات من الصوامع الملكية فهم رغم كل شيء خاصة الملك و صفوته من شعبه ..

أشرقت الشمس مرة أخرى على باريس و الملكة معتلة المزاج هذا الصباح فقد خسرت مبلغاً كبيراً في لعبة ورق الأمس و لكن هي الملكة .على أي حال ..

تقامر لا لتربح و لا لتكسب الاحترام

مرت الأيام و حُصلت الضرائب بكل وسيلة ممكنة و مات الفقراء

و غنت الأرض حينها

المجد للشيطان معبود الرياح

من قال لا .. في وجه من قالوا نعم

كان صباحاً باريسياً آخر .. بارد كما هو معتاد، مر على مخيم اليرموك

تجولت في شوارعه التي كانت نزين جدرانها فيما مضى صور النبلاء الشهداء في حرب المئة عام ، عادة التجوال عادة اكتسبتها مؤخراً نتيجة قلة العمل و قلة الطعام و قلة الأمل و قلة كل ما كان في الأمس جميلاً  ..

تجمع الناس عند مشفى فلسطين و هو مشفى أقامته الاسبتارية فيما مضى على امتداد شارع الثلاثين و هو شارع باريسي يقطع نهر السين عند نقطة الصرف الصحي في حي الزين ..

  • في كراتين بالسبينة ؟
  • هيك حكوا مبارح بالأخبار ..
  • القوافل الملكية لا زالت جاثمة في منطقة السبينة محملة بالأقوات و المساعدة العاجلة التي تكرم بها ساكنو فرساي على المخيم و أهله ..
  • يبدو أن زيارة موفد المنظمة أتت بنتائج يا رفاق

تجمع جوعى المخيم بانتظار أي شيء يلوح في الأفق  فهم وإن كانوا يستطيعون الوقوف على أقدامهم اليوم فذلك نتيجة استجماعهم  ما تبقى بهم من طاقة ليحصلوا على الصندوق الذي سمته الأجيال بعد عقود بذلك الاسم الغريب

“كرتونة”

قبل ذلك بأيام كانت الاضطرابات قد أخذت تعم العاصمة و انتشرت الجريمة و عمليات السطو على النبلاء و أخذت بوادر التمرد تظهر، خلافاً لما اعتقده الوزير بين العامة و ليس بين النبلاء مما حدا بالملك أن يستدعي الفيالق الأجنبية من الجيش التي كانت ترابط على حدود المملكة ، و منها من يعود أصل جنوده إلى مخيم اليرموك و كان هذا الفيلق بالتحديد من ضرب ذلك الطوق على المخيم و تمركز بالباستيل و أعمل المدفعية قصفاً و تدميراً في أوكار التمرد في المخيم .

  • هؤلاء العامة الملاعين لقد أعطوا صورة سيئة عن المملكة في وسائل الاعلام ،تباً لهم كيف يدعون الموت جوعاً و نحن نقدم لهم كل شيء ؟ تباً لهم و لأبنائهم المتوحشين البرابرة ، أتمنى من نيافتكم  أن تصدر بياناً بالحرمان الجماعي لهم و إخراجهم و أبرشياتهم من رعايا كنيستنا المقدسة و أن تبعث بنسخة من هذا البيان إلى روما ليصادق عليها صاحب القداسة و من ثم لتنشر على كل الفضائيات و الإذاعات .

اختتم الملك كلامه بطلب من أسقف القصر أن يباركه و قد فعل .

وقفت القوافل الملكية المحملة بالأغذية على الجهة الجنوبية من مخيم اليرموك و كان يصحبها إضافة إلى المبعوث الملكي ، موفد منظمة التحرير المختص بقضية المخيم .

  • نااااااار ..

أصدر رقيب المدفعية أمره إلى الجندي أن يضرب باتجاه المخيم و أزعج صوت المدفع المبعوثين مع القافلة .

  • أرأيت يا صاحب السمو كيف يضرب هؤلاء المتمردون علينا بالمدفعية في حين أننا أتينا لهم بالأقوات ؟
  • و لكن يا صاحب المعالي – قال الموفد – أنتم من تطلقون عليهم نيران المدافع ! أو أنني أخطأت ؟
  • أنظر هنا لتعرف أنهم من بدأوا ..

نظر موفد منظمة التحرير إلى كيس الذهب  و صك الاقطاعية و لقب الكونتية  و قال : هذا هو الدليل القاطع على بربرية هؤلاء العوام . منذ البداية لم أكن مصدقاً أن جلالته يمكن أن يفعل هذا ، كيف يمكن لشخص في رقة و طيبة و إيمان و سماحة و جلالة و عظمة و غنى  و رحمة و عطف جلالته أن يفعل هذا

  • إذن ماذا ترى يا صاحب السمو ؟ قال الضابط ..
  • أجاب موفد المنظمة : اقتلوهم جميعاً و فلسطين تعرف شعبها ..

و خرج في نشرة الأخبار الملكية أن :

  • ” مدافع المتمردين عرقلت دخول القوافل الملكية إلى مخيم اليرموك و سيتم عقاب المسؤولين عن ذلك و التعجيل من إنهاء أزمة الشعب بوعد صادق من صاحب الجلالة ” .. و انتقمت مدافع الفيلق المرابط في الباستيل من المتمردين فعلاً فأحالت ليل المخيم إلى نهار و كم من بناء ليلتها انهار و تحته ما تحته من أجساد و الدم كان أنهار .

عدت إلى البيت يومها حاملاً معي خيبتي الكبيرة و معدتي الصغيرة و لا زالت الأوجه الملوثة بالأتربة و السواد  و الشفاه الجافة المتشققة و الأسمال البالية تخمش ذاكرتي .

يماا … جوعان

أخذت حصتي القليلة من الطعام و انتحيت جانباً لألوك الأعشاب على مهل علّي أتلذذ، فلذة العيش اختلاس و ربما يتحول العشب إلى خبز أو ليكن

تحولاً كبيراً  إلى جسد المسيح و لا حاجة لي بالدم.

  • هدا الصحن روح وصّله لأم محمد ..

أم محمد هي ليست أماً لا لمحمد و لا لغيره فهي امرأة في العقد الرابع من العمر تسكن في بيت أرضي بجوارنا تعاني أمراض عديدة أوضحها و ليس أخطرها  الشلل و القصور الكلوي ، لا أعرف كيف تُركت هنا وحيدة بين جدران أربع في بيت مظلم لا تزوره الشمس و لا يزوره الطبيب لم تخرج منذ بداية الحصار منه . أظنها لعنة قداسته حلت علينا بلا شك أو أن بركاته حالت بينها و بين رؤية ما يجري في الخارج .

و لكن إذا كانت الكنيسة ترفضنا فلماذا على الأقل لم يبتسم لنا الشيطان ؟

هل يعقل أن الشيطان أيضاً يترك شعبه و رعاياه بهذا الحال ؟

سأل الجنون قرينه …

من نحن ؟ نحن هنا !

أوصلت لأم محمد الطعام و خرجت مسرعاً فرائحة الرطوبة كريهة جداً  لم أكن بمزاج مناسب لأسامرها ،كما أن صوت مضغها للأعشاب يزعجني ..

مفكر حالك من النبلاء لأنو ؟

انقضت أيام طويلة قبل أن تنتشر الفوضى أكثر في باريس و تشتعل المدينة بالثورة التي جرفت كل شيء و أزالت الحدود بين الطبقات الاجتماعية و بين الأحياء الباريسية  و أزالت الباستيل و مدافعه  و ابتسم الشيطان ففتحت خزائن الكنائس للجائعين ليأكلوا بدل العشاء الأخير  وجبات كثيرة لها أول و ليس لها آخر باسم الشيطان و ليس باسم الرب

و تعمد الجميع باسم الشعب ,,

و بقي مكانان فقط في باريس كلها محاصران

فرساي و مخيم اليرموك ..

تجمعت حشود الشعب حول فرساي من كل جوانبه منهم من تسلح ببندقية و منهم من تسلح بهراوة و تلك تسلحت بمكنسة و تلك تسلحت بقميص ابنها المقتول

روى لي من كانوا معهم حينها أن صوتهم بداً يعلو و يعلو لكنه لم يصل السماء فأبوابها مغلقة دونهم على أي حال و المفتاح بيد صاحب القداسة و لكنها على الأقل وصلت إلى مخدع جلالتها و لم تفلح خدع الوصيفات بإلهاء صاحبة الجلالة عن هذه الأصوات ..

كان ذلك في اليوم الماضي ..

آخر وجبة قابلة للأكل في اليوم الماضي ..

لم هي وجبة ؟ ألأنها توجب عليك أكلها ؟ أم أن جسدك يوجب عليك ذلك أم أنها توجب عليك القلق إن لم تجدها و قد يزداد بك القلق إلى أن تموت جائعاً

  • يمااااا .. جوعان
  • ما عنا شي للأكل ..
  • ولا شي ؟
  • ولا شي !
  • يلا يمكن بكرة يتدبر معنا شي …

يعني موعدنا بكرة مع لزوم ما يلزم و مع الوجبة الواجبة ..

و لأنني أكره أن أنتظر و أكره أن أجعل أحداً ينتظر ،ذهبت إلى أم محمد لأزف لها الخبر  كي تبداً قداس القلق مثلنا

يا غراب البين أسمعت فقل  ,, إنما تنطق شيئاً قد فُعل

و ذهب وفد من النسوة اللاتي يحاصرن فرساي للقاء الملكة

رائحة الرطوبة الكريهة و رائحة العطور الجميلة ..

البيت المظلم و القصر المنير المشرق

ثيابي الرثة القديمة و أسمال جارتي البالية و  ثياب النسوة الممزقة و فستان الملكة الباهظ

  • و الله يا أم محمد بدك تدبري حالك اليوم نحنا ما عنا أكل . شو بدنا نساوي متلنا متلك ..

بهتت المرأة المسكينة من هذا الخبر هي التي كانت تتضور جوعاً من الوجبة للوجبة و لا نخلة لتهزها ،  و لا يستطيع عقلها أن يفهم ماذا يحصل في الخارج و لا أحد يستطيع أن يشرح أساسا ماذا يحصل ..

  • كيف يعني ما في أكل ؟ انتو شو أكلتو بالبيت ؟
  • ولا شي ..
  • ولا شي ؟؟ كيف يعني ؟

وعرٌ هو المرقى إلى الجلجلة .. و الصخر يا سيزيف

ما أثقله !

دخلت النسوة الباريسيات إلى البهو الذي كانت تزينه في الأمس القريب الحفلات و استقبالات النبلاء  ، أذهلهن كل هذا البهاء و السناء والذهب ..

  • شيء يليق بالملوك علقت إحداهن .

خلف أحد الأبواب المطلة على البهو كانت الملكة متوترة قلقة – مثلنا جميعاً – تسأل أحد ضباط الحرس الملكي ..

  • ما هذا الذي يحصل في الخارج ؟ لماذا يتجمع الناس أمام القصر ؟

و لماذا يهتفون بهذا الهتاف الغريب ؟

“خبز  خبز   خبز ”

ما كل هذا .؟ ألا يعلمون أن سمو ولي العهد ليس بصحة جيدة و يحتاج أن ينعم في الراحة …

  • أطرق الضابط و قال :
  • صاحبة الجلالة ! هؤلاء هم الباريسيون الذين أعلنوا الثورة على التاج يطلبون منك أن تطلي عليهم من شرفة القصر و أرسلوا نسوة للتفاهم ..

فُتح الباب و دخلت الملكة إلى البهو بكل ألقها ..

حيت النسوة بكل وجل و خوف و بانحناءة خفيفة و سألت بكل لطف ..

  • ماذا تريدون أيتها السيدات ؟

لا زال الذهول يكسو ملامح النسوة الباريسيات عندما نطقت إحداهن بتلك الكلمة و سقطت مغشية عليها ..

  • الخبز ..

ارتفع صوت الشعب خارج القصر منادياً أن تخرج الملكة إلى الشرفة حيث أن خروج الملك وحده لم يكفهم  ، حاولت الملكة أن تعتصم بكبريائها في البداية و رفضت الخروج لكن هدير الشعب حول القصر نزع حتى أوراق التوت عن الملوك

و فار التنور

ببطء شديد ظهرت الملكة على  الشرفة و فاجأتها كمية المقل الشاخصة إليها بغير قليل من الكره و البعض و الحقد و الأسف و التعجب و الاستنكار ، لم تعرف ماذا تفعل فانحنت انحناءة التحية ، لا  !

انحنت انحناءة العبيد للسادة

أهذا يليق بالملوك يا أهل باريس ؟

صمتت الحشود و اختلط المطر بدمعة حارقة سالت على خد جلالتها ثم سلّت نفسها نحو الداخل ..

صاحت بأعلى صوتها

  • لست أفهم ماذا يريدون ..؟
  • صاحت أم محمد :

لك فهمني كيف يعني مافي أكل ؟ يعني شلون ؟

قال الوزير للملكة :

مولاتي .. انتهى  ، يبدو أن كل شيء انتهى ، هؤلاء الجياع ألا تسمعين ماذا كانوا يهتفون ؟ خبز خبز … يريدون الخبز

قلت لأم محمد :

خالتي و الله ما عنا شي نوكلو  و اذا اجانا شي ما تقلقي حسابك محسوب حكما

  • طيب هاتوا خبز باكل حاف ..
  • والله ما في خبز من زماااان أساسا هدا خبز عدس اللي كنتي توكليه ..

قالت الملكة للوزير :

لماذا لا تعطونهم الخبز …؟ يجب أن تعطوهم الخبز ؟ أساساً لماذا لا يوجد لديهم خبز ؟ إذا كانوا يريدون الخبز فليذهبوا إلى الأفران و ليس إلى القصر ..

  • مولاتي الأفران ليس فيها خبز ..

قالت أم محمد :

طيب ماشي ما في خبز جيبو سمون جيبو كعك جيبو أي شي ..

قالت الملكة :

إذن فليأكلوا الكاتو..

 

كان يمكن أن يُحل الأمر يا صاحبات الجلالة بالخبز أو بغيره ، و لكن الأرض مصير

كان يمكن أن يُحل بالصندوق الذي أعطته الأجيال المتقدمة اسم الكرتونة ..و لكنكم أبيتم إلا أن تفتحوا صندوق باندورا ..

كان يمكن أن تكون مملكة السماء لابن الانسان على الأرض و لكن الغميضة شاملة

كان يمكن أن تتحرر كل باريس بما في ذلك فرساي  و اليرموك  و لكنه سيكون خراباً

كان يمكن أن للملوك أن يكونوا ملوكاً و لكنهم أرادوا أن يكونوا أرباباً فكنا شياطيناً .

كان يمكن لأم محمد ألا تموت و للملكة ألا تموت و لكن شجر الشيطان لذيذ ..

كان يمكن ألا يموت مئة رجل  و ألا يؤسر مئتان من أجل صندوق لكن اللعبة ممتعة

كان يمكن ألا يكون هناك سوى النهار و لكنه الليل ثلثاه للمتعة و الثلث المتبقي ..

صلوات تتلى للشعب

في الملكوت الأعلى

و نادى منادٍ حينها أن لا خلاص إلا للجائعين

لا قيامة لكم إلا في اليرموك .. أو في جحيم الله

اذهبوا في التيه ألف سنة و لن تعودوا ملوكاً إلا على الدخان

 

 

 

 



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

رغيف خبز واحد

كشيخ عجوز هدّه التعب، انزوت إحدى الشمعتين اللتين تضيئان الغرفة،  بينما كان لهيب الشمعة الأخرى يعلو ويهبط حتّى كاد أن يلامس الرخام  كراقصةٍ  سكرى أوشكت على السقوط الضوء الخافت للشمعتين أخفى الرماد الأسود المتراكم على الحيطان والأسقف من فرط الدخان الرصاصي المتصاعد  من المدفأة التي أصبحت تعمل على ما تبقى من أحذية وثياب مهترئة منذ […]

اعرض المزيد

قواعد الحصار الأربعين

قواعد الحصار الأربعين القاعدة الأولى: الحصار طويل كيوم أسيرٍ لا ينتهي في زنزانة… سكة حديدٍ تمتد نحو الصحراء في يوم صيفيّ… الحصار حدثٌ غريب  يجعلك تشعر بعقارب الساعة تدور في  رأسك، يعود بك إلى عصر الساعات الرملية… ما إن ينتهي الرمل من السقوط من أعلى إلى أسفل حتى تعاود الكرة إلى ما لا نهاية.. لا […]

اعرض المزيد

اللامنتمي

الخذلان صفة من صفات الطبيعية، غير محصورة بالبشر فقط كما كنت تظن يحدث أن يخذلك أصدقاؤك -الأحياء منهم والأموات- أن يدعونك وحيداً تقلب دفاتر الليل التي لا تنتهي دون أنيس أن لا تجد من تقول له في آخراليوم” قد كان يومي متعباً” أن تجلس وحيداً تحت ظل شجرةٍ تستمع إلى أغنيةٍ جميلةٍ لفيروز، دون أن […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories