مآذن الشام اللاتي يعرفننا

شارك القصة

مآذن الشام.. ديرالزور وحلب وأعزاز

شيئ معقّد وخارج عن نطاق العلم حتى الآن هي الروح..

الافتراض الأساسي أنّ الروح هي الشّيء الذي يميّز الكائنات الحيّة ذاتيّة الحركة عن غيرها ممّا ندعوه جمادات، لكن لا شيء فعلاً يمكنه إثبات هذا التعريف، خصوصاً مع تطوّر العلم والخوض في عوالم الخلايا والذرّات ومادونها، واكتشاف أن كلّ المواد والعناصر على هذا الكوكب تضمّ أجزاءً متحرّكة حول نواة الخليّة وداخلها.. فهل تلك أرواح؟!
أم أنّها تبقى جمادات حتى إذا تشكّلت في جسد “كائن حي” تنبعث فيها الحياة من العدم؟!
وهل يجعل هذا للجمادات أرواح لاندركها تنتظر لحظة البعث؟!

أظنّ أنّ كثيراً من المتحيّزين للأساطير والعلم سينقسمون حول ذلك، لكنّي أؤمن أن بعض الأشياء (الجمادات) لها أرواح.. تشتاق.. تحزن.. وربما تموت.

هذا الاعتقاد لم يكن أمراً جاء بعد تفكّر، وإنّما شعورٌ غامرٌ جاء في لحظة كشف –على طريقة العارفين من كبار الصوفيّة– بعد بيت شعر مناسب سمعَته أذنَاي في لحظة مناسبة وفي المكان المناسب.

“الله أكبر.. الله أكبر..”

يرفع المؤذّن صوته من مئذنة ذلك المسجد الصّغير في أحد الشوارع الملاصقة لخطّ الجبهة في حيّ (صلاح الدين) في حلب، والذي شاركتُ شقةً في طابقه الأول أواخر عام 2014 مع مايك (مالك) أحد أقدم ثوار مدينة حلب من غيرِ أبنائِها، مجاوِرين في الشقة الملاصقةِ (أبو يزن) طالب الفنون الجميلة، وأحد أبناء حلب الذي اختار ترك منزله في القسم المحتلّ من المدينة ليكون أحد ثوار المنطقة المحررة.

اعتدت آنذاك السّهر على شرفة منزل أبو يزن الضيّقة حيث طالما حاضَرَ فينا عن المقامات الحلبيّة، لكنه في تلك اللّحظة لم يكن يتغنّى –كعادته– بموشّح (يمرّ عُجبَاً) على طريقة الشيخ عمر البطش، ولا بموال (حادّ المطايا) السبعاويّ لحسن حفار، بل يقطّع بيت شعر لنزار قباني مترنّماً به قبيل الفجر:

“مآذن الشام تبكي إذ تعانقني.. وللمآذن كالأشجار أرواح”

صوت أبو يزن الرّخيم بكلمات نزار.. تلاه الأذان بصوت جارِنا الأجشّ المتعب.. مع انعكاس ضوء القمر الخافت على مئذنة المسجد المتصدّعة جرّاء قذيفة سابقة من الجبهة القريبة.. والسلام الذي يجتاح المرء إذا تنفس الصبح..
هؤلاء مجتمعات كنّ لحظتي التي شعرت فيها بالحياة تدبّ بالمئذنة، بحزنها وهي تطالعنا من عَلٍ، من مكان يماثل تقريباً المكان الذي يطالعنا منه قائد المروحية الأسدية التي تمطرنا –وتمطرها– بالبراميل المتفجّرة، وبإشفاقها على مدينة المآذن الكثيرة، وبإصرارها على الوقوف ثابتة في تلك الأرض التي أحالها نظام آل الأسد يباباً.

ومذ ذاك صار الأذان من شامخات القسم المحرّر في حلب قبل أو بعد أو أثناء غارات طيران آل الأسد له وقع آخر في نفسي، كنت أحسّهنّ رافعات أيديهن للسماء كأقرب مافي هذه الأرض إليها يرمين بسهام الليل ما لاتدركه مضادّاتنا الأرضيّة المتواضعة، ويحاربن بالأقدار ولطف الله مالا نستطيع بقطع الحديد البالية هزيمته.

كُنّ كأمّهاتنا نحن اليتامى المتروكون للموت والإرهاب المنظّم واللّامبالاة الدولية، كنّ صلتنا بالله فوق كل هؤلاء.. وكنّ كفايتنا.

وأكاد أجزم أنّ لهنّ –أعني المآذن– مجتمع خاصّ بهنّ في مستوى آخر مواز لهذه الحياة بعينها، يتواصلن فيه للاطمئنان على أحوالهن وأحوال رعاياهن، ويتناقلن فيه أخبار المآذن اللّائي قَضَين في هذه الثورة دفاعاً عن كلمة حقّ ما وُجِدن إلا لتمجيدها، مخلّدين ذكرى المآذن الثائرات الأوائل يتساقطن –كرعاياهن– في مواجهة جحافل جاحدة جعلتهن أهدافاً كصدورنا.

أودّ أن أعرف حقّاً كيف يؤرّخنَ الأحداث هناك!
وكيف يكتُبنَ القصص!
كيف يَذكُرنَ مِئذنة جامع عثمان التي أبت قذيفة دبّابة إلّا أن تهدمها في آب 2011، أثناء اقتحام جيش الأسد –في أول اجتياح واسع للمحافظات السورية الثائرة– لمدينة ديرالزور..
أيّ تاريخ يستخدمن؟! وبأيّ لغة يتواصلن؟! وهل لهنّ وصايا يتناقَلنَها ويسعَين لإنفاذها؟!
أم لهن ثأر يسَمِّنَّه كما نُسَمِّنُ ثَأرَنا كل يوم؟!

كيف وَقَع عليهنّ خبر دمارِ شيخة مآذن حلب التي عمرت ألف عام في الزاوية الشمالية الغربية من مسجد بني أمية الكبير في حلب القديمة، قبل أن تدمرها قذائف حاقدة من مجنزرة تقف على دوّار (السّبع بحرات) في القسم الخاضع لسيطرة نظام آل الأسد من المدينة؟!

وأكثر من كلّ ذلك كيف يحاكمننا على ما حدث في إعزاز شمال حلب؟!

أواسط عام 2012 خرجنا في مجموعة تضمّني وطالب طب من أبناء مدينة حلب وثلاثة شباب حمويين من مدينة حلب –الخاضعة لسيطرة نظام آل الأسد آنذاك– إلى ريف حلب الشمالي، والذي كان يعيش معركة تحرُّرِه بأيدي الثوار من أبنائه في بلدة إعزاز على الحدود السورية التركية.
تمكن الثوار من حصار آخر فلول النظام في كتلة مبان حول فرع الأمن العسكري في البلدة، والتي ضمّت إضافة إلى مبنى الفرع عدّة “فيلات” سكنية إضافة إلى مسجد معروف باسم (جامع حج فاضل)، حوّل عناصر النظام مئذنته إلى برج قنص.

سَمَحَت طبيعة العمران الممتدّة أفقياً في البلدة دون مبان مرتفعة –إلا ما ندر– للمئذنة بالإشراف على منطقة واسعة من الأحياء السكنية في محيطها، معطية أفضلية لجنود آل الأسد الذين تمكنوا بالفعل من تقطيع أحياء البلدة مستهدفين كل ما يتحرك فيها سواء من المدنيين أو الثوار.

تمركز في المئذنة أحد أكثر القناصين الذين شاهدتهم أو سمعت عنهم طوال سنين الثورة والحرب في سوريا براعة، لدرجةٍ كنا نختبره فيها بإلقاء خشبة صغيرة على مفترق أحد الطّرق التي يرصدها، فيصيبها لحظةَ ملامستها الأرض في المساحة المكشوفة أمامه تارةً، وتارة أخرى قبل أن تلامس الأرض حتى، وهو ما أعطى للمحاصرين في تلك الكتلة اليد العليا على الثوار غير المحترفين إلا من بعض الضباط المنشقين أو هواة السلاح.

امتدّ حصار الفرع 17 يوماً استبسل فِيهِنّ المدافعون عنه، كما استبسل الثوار في صد كثيرٍ من أرتال المؤازرة التي كان يرسلها النظام من شتّى مراكزه التي مازالت تحت سيطرته، حتى سُمّيت أعزاز مقبرة الدبابات لكثرة ما دمره الثوار فيها من مجنزرات، ليتمكنوا أخيراً من اقتحام أسوار الكتلة الحصينة والسيطرة عليها، معلنين منطقة أعزاز –ومن خلفها ريف حلب الشمالي– محررةً.

بعد التحرير بدأ التفكير في حماية المدينة من محاولات محتملة لإعادة احتلالها من النظام، خاصّة وأنها تتحكم بأحد أكبر المعابر البرّيّة للبلاد (معبر باب السلامة)، الأمر الذي نتج عنه قرار الثوار بتدمير المئذنة الحصينة خشية استخدامها مرة أخرى كبرج قنص في حال عودة النظام إلى المدينة.

حُشِيَت قاعدة المئذنة بالمتفجرات وفي لحظة.. أضحَت أثراً.

لعلّ المآذن يؤرِّخنَ ذاك الحدث لحظة انتصارٍ لنظام آل الأسد، والذي تمكّن بنهجه التدميريّ الوحشيّ مِن جرّنا –أحياناً– إلى مربّعه، إلى وضع كنا فيه أدوات تدمير لأرضنا وبلادنا وإن أردنا خيراً، لكنهنّ وإِنْ كنّ صوفيّاتِ الهوى فما زلن يعلَمنَ واقع الحال، ويفهَمن أنّ قراراً كذاك كان لابد أن يُتّخذ.

اليوم وكلّما رأيتُ مئذنة أُحسّ إشفاقها علينا.. كما أُشفقُ على كل من يضطرّ لخوض حرب مع نظام قذر كنظام آل الأسد.. فأبشع ما تُفقِدُك إيّاه المواجهة ليست المدن أوالأرواح التي فاضَت إلى جنان ربها، وإنما الأرواح الحيّة بين الصدور.. أنفُسَنا نحن التي نرثيها كلما شاهدنا مَظلمةً لا نملِكُ ردّها، أو خطأ لا نجِد ما يُقيْمُه!

لكن مَن يدري؟! لعلّ إحساسنا ذاك هو ما يُبقِي مآذن الشام حانياتٍ علينا.. محيطاتٍ بنا.. يَبكينَ إِذ يعانقنَ كلّ استغاثة تمرّ بِهِنّ مِنّا إلى ربّهنَّ وربّنا.. ويفرحن لكل خير يصيبهن إذ يصيبنا.. لأنّهنّ يعرِفنَنَا.. ويَشعُرنَ بنا..

فللمآذن كالأشجار.. أرواح.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

أنقذتني الفياغرا

(1) هنالك أنواعٌ فنيةٌ مختلفة لكي تقول قصةً ما. سابقاً كان التركيز النقدي يحاصر الكاتب خشية أن يخرج عن قالبٍ معين فيُتَهم بعدم معرفة القواعد. وهناك كتّاباً كانوا يثبتون معرفتهم بالقواعد وجدارتهم بكسرها. أما الآن ومع انتشار وسائل التواصل التي فسحت المجال لأفواج الضجرين بأن يوثقوا أية فكرة تخطر في بالهم، فلم يعد هذا الموضوع […]

اعرض المزيد

أحمد عزام
يسردها أحمد عزام

وردة الحرية

دويّ رصاص ترتعشُ له أصابعي.. أحثُّ خطواتي محاولة الاختباء بين الأزقّة، وقد دسستُ الوردة في حقيبتي، وصوت الرصاص يعلو أكثر، ممتزجاً بصيحات مفجوعة تنادي بعنفوان يتحوّل تدريجياً إلى ما يشبه التوسل: حرّيّة.. حرّيّة.. سلميّة.. سلميّة… رأيتها هناك قبل نصف ساعة، خرجت من زقاق ضيّق بخطوات حثيثة. كانت ترتدي معطفاً خفيفاً بلون ورديّ، لا أظنّه يقيها […]

اعرض المزيد

غرفة خاصة في حقيبة النزوح

كان لي تحت درج منزلنا وخلف المغسلة، مكان خاص بي أضع به عجلة مهترئة لدراجة نارية، اضربها بكف يدي وأركض خلفها بحارتنا، لكن أمي طلبت مني تغيير مكان العجلة، لأنها كانت تشارك تحت الدرج المساحة الخاصة بالغسالة، غيرت مكاني إلى غرفة المونة الصغيرة، كنت أضع بقلب كيس أسود كبير، أغطية قوارير المشروبات الغازية من معدن […]

اعرض المزيد

خليفة خضر
يسردها خليفة خضر

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories