نوافذ شوق

شارك القصة

حمامةٌ وغرابٌ وبضعة عصافير…

تقف كل يومٍ على نافذة غرفتي المطلّة على الحديقة، لتلتهم ما أنثره كل يوم خارج الشباك، فأسألها: هل من مزيد؟

الطيور الأليفة هنا تنقل ذاكرتي إلى الجامع الأمويّ في “دمشق”، هناك حيث كان يجول الحمام بين الأقدام وعلى الأكتاف، ويلتقط الحبّ من أكفّ الصغار والكبار الممدودة إليه..

هل يا تُرى ما زال الحمام ملتمّاً على المآذن الأربعة، والباحة الرحيبة والأروقة الممتدّة؟ هل ما زال يأنس ويألف الوجوه الخاشعة الطيّبة؟ أم إن صوت الرصاص والتفجيرات وأصوات “اللطم” هجّرتْه فابتعد تاركاً مكانه للغربان؟

الحمام والغربان والعصافير ألفتْ بيتي، هنا في مدينة “منشنغلادباخ” الألمانية، وأصبحتُ بعد سنوات أربعة أحسّ بشيء من الانتماء إليها، وبشيء من الحب..

– أليست المعرفة باباً أوّلَ للحبّ؟

– وهل يعرف الحبّ من لا يمتلك معرفةً؟

– هل الحبّ معرفةٌ في المقام الأول؟

– لأننا نخاف من المجهول، لا نشعر بالحب.

– وهل نشعر بالحبّ حين يصبح المجهول معلوماً؟

– أعتقد، من التجارب التي عايشتها وعشتها، أن الحُبَّ كالحَبِّ، معرفة المطر تكشف له سرّ الحُبّ فيمرع.. وأنا مثلاً كنتُ إذا ابتعدتُ عن البيت بضعة كيلومترات، لا أعرف طريق العودة إلا إذا استعملت دليل الخرائط والموقع (GPS)، وكنت أتلعثم بالمفردات التي تعلّمتها، ولا تنسكب معي بجملة صحيحة أو تامّة، حين لا يردّ عليّ أحد بالإنكليزية الركيكة عندي أيضاً، لأسأل عن عنوان لا أعرف نطقه، ولم أحفظه حينها.. أما اليوم فأعرف التحرك في المدينة بمختلف اتجاهاتها وأماكنها الجميلة، كما أعرف التحدّث بالألمانية بشكل جيد، وأكلّم أي جالس أو جالسة بجانبي في الحافلة أو في القطار بموضوعات شتّى.. لذلك أحببتها ولا أريد منها بديلاً.

– لكنك تحب “دمشق” أكثر بكثير.

– “دمشق” ليست هواي ومحبتي وحدي، كل من يتذوّق ماءها ويتنسّم هواءها ويستعذب غوطتيها بترنيم أطيارها، ويطعم حلاوة فاكهتها ونكهة خضارها…. يصبح مثل السمكة إذا غادرت الماء، فإذا خرج منها فقد الحياة وطعمها ولونها…

– لكنك مستمرٌّ وأحببت مدينتك الجديدة؟

– نعم، ألم يقل “جبران خليل جبران” منذ قرنٍ من الزمان: كل مكان نذهب إليه نترك فيه جزءاً من روحنا، لذلك نحنُ نحنّ إليه والعودة لزيارته دائماً؟

هل يا تُرى ما زال الحمام ملتمّاً على المآذن الأربعة، والباحة الرحيبة والأروقة الممتدّة؟ هل ما زال يأنس ويألف الوجوه الخاشعة الطيّبة؟ أم إن صوت الرصاص والتفجيرات وأصوات “اللطم” هجّرتْه فابتعد تاركاً مكانه للغربان؟

– وماذا ستترك في مدينتك الحالية إن غادرتها؟

– سأترك فيها جزءاً كبيراً من روحي، حيث يحمل الجزء الآخر ذكرياتٍ كل مكان فيها: أول كامب لجوء احتواني لشهرين ونصف مع تسعة من اللاجئين نتكلّم العربية، أكثرنا سوريون، وأحدنا فلسطينيّ، والآخر لبنانيّ، والثالث عراقيّ، من معتقدات دينية متنوّعة، ومن قوميّات مختلفة؛ عربية وكردية وإيزيدية…. كنا جميعاً في غرفة واحدة من غرف المدرسة التي تبرّع بها مالكها الألبانيّ للاجئين وبقي مديراً لشؤونها. خمسة أسرّة مقابل خمسة أسرّة، يفصل بين كل سريرين خزانة صغيرة. المطبخ كبير يتوسّط أربع غرف، في كل منها عدد ما في غرفتنا، تجمّعوا من أربع جهات الأرض، غرفة تضمّ مجموعة أفغانيين وإيرانيين وآسيويين، وأخرى تضمّ خليطاً من الأوروبيين من دول أوروبا الشرقية، وثالثة تشكيلة أفريقية عجيبة.. المشكلة الحقيقية التي كانت تقضّ مضجع الجميع هي الحمّام، مع أنه كبير ويحتوي عدة تواليتات وثلاثة مغاسل وأربعة بل خمسة دوشات منفصلة، لكنّه كان في أحد البنائين المتجاورين الواقعين في الجهة المقابلة لبنائنا، تفصل بيننا باحة المدرسة بطول أكثر من خمسين متراً، ولك أن تتخيّل معاناة من يريد الاستحمام في الثلج أو تحت المطر مثلاً، يخرج من تحت الدوش ليلتفّ ببطانية أحضرها معه إلى الحمام، كي تقيه شرّ الزكام ولفحة الهواء حين يقطع المسافة الطويلة راكضاً إلى غرفته، خشية أن يتجمّد قبل وصوله لسريره، حين تنخفض درجة الحرارة حتى ستّ أو سبع درجات تحت الصفر…

ذكرى معلّمتنا الأولى “مارغت”، المتطوّعة لتعليم اللغة الألمانية للمبتدئين، لساعتين في الأسبوع، قبل أن نأخذ الإقامة ويُسمح لنا بدخول دورات اللغة النظامية…

ذكرى الاعتصام الطويل الذي أقمناه أمام محكمة اللجوء في “دورتموند”، لشهرٍ وعشرين يوماً في الخيام تحت الشمس والمطر، حتى تحرّكت قرارات لجوء السوريين المتوقّفة مؤقّتاً (أكثر من أربعة أشهر) بسبب حملة ترحيل لاجئي أوروبا الشرقية إلى بلادهم، من كوسوفيين وصربيين وألبان وبلغاريين وغيرهم… لأحصل على إقامتي بعد الأشهر الثمانية التي طالت في انتظار صدورها…

ذكرى الركض لأكثر من أسبوعين بأوراق تسجيل إقامتي، والحصول على موافقة لمّ شمل أسرتي، واستقبالهم بعد جولةٍ وصلت إلى العاصمة الهندية، ومن ثمّ الركض لشهر بين دوائر تسجيلهم على إقامتي وفي التأمينات المختلفة وفي المدارس.. وتأمين بيت السكن الذي أصبح موطننا الثاني…

ذكرى الأماكن الجميلة، من بحيرات البط والبجع وغاباتها المتراقصة للطيور الصادحة، إلى الجداول المنتشرة في كافة أرجائها، وليس قليلا عليها تسميتها “منشنغلادباخ” التي تعني “أرض الجداول والقديسين”… من أسواقها الجميلة إلى المسارح ودور السينما والمتاحف والمنتجعات… وذكرى بضع روايات كتبتها فيها، وبضع مجموعات شعرية.

ذكريات أصدقاء تعلمت منهم أن الحياة عطاء ومحبة، وذكرى ابنتي الألمانية “لورين” التي تبنّتني أباً لها لأنها لا تعرف أباها، وقد شهدتُ على زواجها من “دانيال” الشاب الوسيم الذي أحبّته، وأنتظر قدوم حفيدتي الأولى بعد بضعة أشهر.

ذكريات البيت الكبير بأدواره الثلاث، وحديقته الكبيرة الواسعة وأشجارها وورودها، البيت القديم الذي صمد أمام حربين عالميتين وما يزال شامخاً، بغرفه الواسعة العالية، وأدراجه الخشبية الملونة، بسقيفته وقبوه وأدوات الزراعة والتقليم والتشذيب في غرفة الحديقة.. “كارين” المرأة السبعينية التي تقطن الطابق الأرضي، بطيبها ومحبّتها ومساعدتها لنا في كل تفاصيل البيت..

أوليست هذه أجزاء من روحي أتركها هنا، سأحنّ إلى العودة إليها ما حييت؟

– و”دمشق” عشقك الأزليّ؟

– وهل ينسى الإنسان روحه؟ أتذكّرها من هنا، بحواريها العتيقة وبردى الحزين لفراق أحبّته..

هناك على حواجز العسكر، رغم بطاقة الصحافة التي بحوزتي ترجو من السلطات المختصّة تسهيل مهمتي، تنتظر سيارتي بفارغ الصبر لحظة العبور التي تمتدّ لساعات أحياناً، علّني ألحق بوقت دوامي في جرائد: “الثورة” أو “تشرين” أو “الوطن” أو “الاقتصادية”، أو في مجلات: “المعلوماتية” أو “الدبور” أو “فارس العرب”، أو في موقع “مدونة وطن” الذي كنت أمين تحريره قرب دوّار الجمارك، حيث سقطت قذائف الهاون في صباح ممطر بالقذائف، فتحطّم زجاج النوافذ ووقعت إصابات بالجملة.. أحسسنا بالمبنى يتداعى وبالمكاتب والكراسي تحتنا تميد.. كانت في الشارع عدّة إصابات، تراكض المسعفون إليها من كل اتجاه، غير عابئين بأزيز الهاونات يصمّ الآذان..

وهنا بين التعلّم والعمل، وبين المطلوب منّي وما عليّ فعله، أكاد أنسى كم أحتاج من الصبر والمثابرة حتى أبقى أنساناً يحافظ على الحدّ الأدنى من إنسانيته، في واقع يقودك حيث يريد، متجاهلاً تماماً ماذا تريد، ما يجعل الكتابة؛ التي هي هدف سامٍ بحدّ ذاتها، مهرباً للاستمرار بالقول: نحن هنا.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

عيد بلاستيكي

لست وحدي، معي سبع وثلاثون سنة مكدسة في ذاكرة إلكترونية وفي صور مخفية على الفيسبوك لا يستطيع رؤيتها أحد غيري، قبل الأجهزة الذكية لم يكن الفلاحون يكترثون لألبومات الصور أو الجلاء المدرسي أو الهدايا غير المفيدة، لا دروج خاصة، لا تذكارات أو لوحات على الجدران، لذلك فر عشرون عاماً من قبضة العالم الرقمي، لكنها محفورة […]

اعرض المزيد

توابيت أنيقة.. كمّامات وقرارات أممية !

لم يخطر في بالي يوماً ما أن أمشي في الشوارع وبين الأزقة داخل هذا المغترب وأحصي على أصابعي عدد الناس! وكأني أمارسُ لعبةً للتسلية، مؤقتة؛ ببساطةِ طفلٍ يلهو مع أترابه خلال لعبة (الغميضة)، بأن يكتشفَ أماكنهم وهو يضحكُ، أو يلهث خلفهم وكأنه قد ربحَ جائزةً ما، أو حصل على وسامٍ من الدرجة الثالثة قلّده إياه […]

اعرض المزيد

قاب قرارين أو أدنى

 ألقيت التحية على الواقفين وراء الطاولات بالتركية والإنكليزية فأجابني بعضهم بها وآخرون أجابوا بالعربية؛ اتجهت إلى زاويتي التي اعتدت أن أستقر فيها طوال ثلاث شهور الماضية؛ أدخل غالبا بعد الظهر وآخذ هذا المكان حيث يمكن لي أن أشاهد أكبر كمّ من المتبضعين والمتجولين، ويمكن لي أن أسرح بنظري دون حواجز أخرى في حياتي. أطلب طلبا واحدا وأبقى أشربه لساعات ولم أكن أعرف حتى […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories