ذاكرة حصار

“سالم” مفقود منذ ثلاثة أيام

ما أريد قوله قبل البدء بالسرد، إن هذه القصة تستحق أن تكتب برواية من ألف صفحة وأن تُمثل فيلماً يبثّ عبر أشهر القنوات العالمية، ليس لأن بطل القصة صديق طفولتي، بل لأن القصة تجسد آلام من حاصرهم النظام السوري في مخيّم اليرموك.

حين كانت الأم منهمكة بعمل المنزل في الطابق الأرضي الذي تعلوه ثلاثة طوابق، قرب معمل البسكويت في شارع “فلسطين”، كانت فتاة حبلى في الثالثة والعشرين من عمرها، تمدّ ذراعها لثوانٍ من الحماية الحديدة للنافذة المحاذية للباب، وتعيدها إلى الداخل، مكررةً فعلتها لساعات طويلة، كسجين يحاول سرقة مفاتيح زنزانة من حارس ينام مستغرقاً بعدما أسرف بشرب الفودكا… هي سجينة الحصار حقاً، وكانت تسرق شبكة هاتفها المحمول من نظام غرق في العار، بعدما اسرف بشرب دماء الأطفال.

قرب الباب، أبٌ يكسّر الحطب للمدفئة بحجر كروي الشكل. ستة أطفال يتراكضون حوله. يقع أحدهم ويصرخ باكياً ويدخل إلى المنزل.

تقول الأسطورة اليونانية: «إن رب الأرباب “زيوس” غضب على “أطلس” لأنه وقف ضِده، فحكم عليه أن يحمل قبة السماء». ولم يكن غضب “بشار الأسد” بأقل من غضب “زيوس”، فحكم على هذا الأب المعارض بحكم أقسى من الحكم على “أطلس”، أن يرى أطفاله جياعاً.

الأم بغضب مصطنع: «ماذا حدث ها.. لمَ تبكي؟… ألم اخبرك بألا توسخ ثيابك؟» زاد صراخه.. فنهره الأبُ من خارج المنزل: «كفى.. لقد رأيتك تقع.. ولا يحتاج الأمر هذا البكاء كله».. ليصرخ الطفل بصوتٍ يعلو أعلى: «أنا لا أبكي من الألم».. «ما الذي يبكيك إذاً يا حبيبي؟» قالت أخته الجالسة قرب المدفئة.. فأجاب بصوتٍ أعلى: «لأنني جائع.. أين سالم؟ وعدني أمس أن يجلب لنا الطعام».. وأجهش بالبكاء.. ضمّته الأم إلى صدرها وشاركته البكاء، وأغرقت أخته رأسها بين ركبتيها باكيةً.. تجمّد الحجر الكروي المرفوع لدقيقة كاملة بيد الأب الحابس لدموعه، في حين ثبّتت فتاة النافذة ذراعها خارجاً، كما لو أنها تحمل شعلة الحرية.

تقول الأسطورة اليونانية: «إن رب الأرباب “زيوس” غضب على “أطلس” لأنه وقف ضِده، فحكم عليه أن يحمل قبة السماء». ولم يكن غضب “بشار الأسد” بأقل من غضب “زيوس”، فحكم على هذا الأب المعارض بحكم أقسى من الحكم على “أطلس”، أن يرى أطفاله جياعاً. ولو خُيّر هذا الأب بين رؤية أطفاله جياعاً أو أن يحمل قبة السماء، لحملهما دون تفكير.

كان التجويع أكثر أسلحة النظام السوري فتكاً بالمطالبين بحريتهم، فأن ترى طفلك يُقتلُ بغارة طيران واحدة لا تتجاوز مدتها الدقيقة  أهون عليك من أن تراه يموت من الجوع أمام عينيك في الدقيقة ألف ساعة وفي الساعة ألف يوم وفي اليوم ألف سنة. كان الموت البطيء في الحصار أمراً يجعلنا نناجي الله لطلب الموت السريع، ونطلب منه معجزة أن يُطبقَ علينا المخيمين “اليرموك وفلسطين”، مريحين بهذا آلاف الآباء والأمهات.

صمت لدقائق قطعه الأب قائلاً: «ها هو “نور” قد آتى كف عن البكاء».

– «لا اريد “نور”.. “نور” لا يفعل شيئاً سوى النوم» قال هذا متمترساً في حضن أمه خشية غضب أخيه.

«أين زوجي؟» قالت سجينةُ النافذة، تخاطب “نور”.. هي زوجة “سالم”، تزوجا منذ عامين بعد قصة حب دامت لأكثر من خمس سنوات، رغماً عن أهلها بعد محاولة الانتحار.. وهي الآن حامل بـ”جلنار” التي  ستلِدُها بعد شهر.

“نور”: «ها هو خلفي يجمع بعض الحطب ويأتي بعد قليل».

«ولماذا لم تبقَ معه وتساعده؟» قال هذا الأب بتعجب.

«قال إنه سيذهب إلى “القدم” ليقطف الحشائش. التي بِتُّ أكرهها أكثر من أي شيء في هذا العالم.. سالم هو من طلب مني أن أعود بعدما رآني منهكاً من نوبة الحراسة.. دقائق ويعود».

“نور” و”سالم” كانا يحرسان أربع ساعات يومياً، في القطاع الثالث “حي التضامن”، برفقة “أبو علاء” (رجل في الخامسة والثلاثين هو أيضاً أب لثلاثة أطفال.

مر يومان على اختفاء سالم. “عماد” قائد الكتيبة التي كان سالم منخرطاً في صفوفها، وجّه أصابع الاتهام إلى الأب بأنه يتستر على ابنه الذي سلم نفسه للنظام. إلا أن الأب لم يقتنع بهذا وظل يقول: «إن ابني لا يسلم نفسه للنظام تاركاً خلفه أخيه وأمه وأبيه وحبيبته التي في احشائها جنينه».

حين وصلتُ إليهم، استفسرت الأمّ مخاطبةً زوجها: «ربع ساعة، ولم يرجع سالم». همّ الزوج برفع سلة الحطب، إلا أنه تراخى فجأة على الكرسي. سألته: «ما بك يا عمي؟»، أجاب: «ألم مفاجئ في ظهري، انتقل إلى خاصرتي واستقرّ في حلقي، كأنه يلتهم قلبي.. على كل حال لعله خير». قلت في نفسي ما هذا الألم في حلقه وكأنه يلتهم قلبه؟ لم أفكر كثيراً في هذا.

بعد ثلاث ساعات لم يرجع سالم. اضطربت العائلة كلها، وانطلقوا للبحث عنه حتى الأم والزوجة. كان القطاع خالياً حتى ممن أوكلت إليهم مهمة الحراسة بعد سالم. لم يكن في المكان سوى دراجة “أبو علاء” الهوائية.

العاشرة مساءً وسالم لا يزال مختفياً. ليس عند أخته المتزوجة والمقيمة قربهم، وليس عند “ابو علاء”، حتى إن الأخير لم يرجع بعد كما قالت زوجته. هل تسللت قوات النظام إلى القطاع وألقت القبض عليهما؟ أم سلّما نفسيهما للنظام، وكثيراً ما كان يحدث هذا؟ «لعلهما ذهبا إلى “القدم” لجلب حشائش الطعام» كان الأب يكذب على نفسه وعلينا متعمّداً تشتيت انتباهنا عن دراجة سالم الهوائية. كانت عيناه المتلفّتتين يمنة ويسرة تفضحه، وهو يطردُ الأفكار الشيطانية من عقله.

مر يومان على اختفاء سالم. “عماد” قائد الكتيبة التي كان سالم منخرطاً في صفوفها، وجّه أصابع الاتهام إلى الأب بأنه يتستر على ابنه الذي سلم نفسه للنظام. إلا أن الأب لم يقتنع بهذا وظل يقول: «إن ابني لا يسلم نفسه للنظام تاركاً خلفه أخيه وأمه وأبيه وحبيبته التي في احشائها جنينه».

قائد الكتيبة لم يكن مقتنعاً بالفكرة تماماً، لكنه كان يحاول الضغط على الأب. ولهذا لم يترك مراقبة منزل “أبو علاء” خلال اليومين الماضيين. عملية المراقبة هذه كشفت حقيقة الاختفاء. في منتصف الليلة الثانية عثر على دراجة أبو علاء الهوائية على باب منزله، الدراجة التي كانت في القطاع عندما ذهبت العائلة للبحث عن سالم.

عاد “عماد” بسرعة إلى مقره واصطحب معه أخاه ووالد “سالم”. دخلوا منزل “أبو علاء”، وباشر “عماد” بطرح الأسئلة على الزوجة، لكنها كانت تبكي وتقول: «لا أعلم أين هو.. لا أعلم». طلب عماد من مرافقيه الخروج، وطلب من الزوجة أن تحضر أطفالها، وكانوا نياماً، ايقظتهم، فقام “عماد” على الفور ووضع مسدسه على رأس الطفل مهدداً بعنف: «لك الخيار… إما أن تري مخه تطاير أو تخبريني أين زوجك؟».. انهارت قواها.. وقالت: «لا أرجوك.. سأخبرك بكل شيء».

خرج “عماد” بعد نصف ساعة شاحب الوجه شارد التفكير. وفي صبيحة اليوم التالي جمع عناصر كتيبته، وانطلقوا إلى منزل “أبو علاء”. كانت زوجته تنتظرهم، وانطلقت أمامهم إلى “بيت سحم” لتوصل الطعام إليه سرّاً، وتبعوها دون أن يُشعروا أحداً بذلك، وصلوا البناء المهجور، وحاصروه من الجهات الأربعة، وتسلل بعضهم إلى الأسطح المجاورة وبعضهم صعد الدرج بخفة، طرقت الزوجة الباب، فتح “أبو علاء” ليجد الأسلحة موجهة إلى وجهه الأسمر الممتلئ بالحبوب. اقتادوه مكبّلاً وطمشوه، وفتشوا المكان، فلم يجدوا إلا سبعة سجائر ونصف كيلوغرام من الأرزّ.

«أين “سالم” يا “أبو علاء؟”. سأله “عماد”.. أجاب: «سالم مازال بالقطاع الذي كنا نحرسه». توجه الجميع نحو القطاع بسرعة، عندما وصلوا أشار أبو علاء إلى بناء مهجور ومدمّر جزئياً كحال بيوت المنطقة برمّتها، في غرفة النوم خزانة قد سقطت على التخت، وتحتها ثياب مبعثرة. قال “أبو علاء”: «هنا..» رفعوا الخزانة وأزاحوا الثياب ليظهر جسد “سالم” تحتها مقتولاً. كانت الجرذان قد قضمت نصف رأسه وبقي النصف الآخر لوجبة عشائها. لم يكن هناك رائحة للجثة المتجمّدة من البرد.

التفت إليه المغدور- كأنه “يوليوس قيصر” عندما عاتب صديقه: “حتى أنت يا بروتس”- وعاتبه: «له يا “أبو علاء”.. ليش هيك». وقد علق المجرم على هذه الجملة أثناء التحقيق قائلاً: «قتلته بثلاث طعنات، وقتلني بكلمة واحدة».

حُمِلت الجثة ووضِعت بالسيارة، وتوجهوا إلى منزل العائلة التي تنتظر عودة ابنها. نادى “عماد” بصوت خافت، فقفز العجوز كما لو أنه غزال تخطئه قناصة “جوبا”. وقف أمامهم، فقال عماد: «وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا..»، فأكمل الأب: «إنا لله وإنا إليه راجعون». قال “عماد”: «ابنك قُتل يا “أبو سالم”»، فكرر العجوز «إنا لله وإنا إليه راجعون، أين الجثة؟». وسار نحو السيارة شامخا كجبلٍ اشم، وعندما رأى ابنه ممداً ورأى “أبو علاء” مقيّداً، فهم أن ابنه قُتِلَ على يدي “أبو علاء”، فانهار الجبل الاشم، وراح يبكي في مشهدٍ أعاد لذاكرتي مشهد “الحارث ابن عباد” وقد قُتل ابنه الكريم بشسع نعل “كليب”، وكما حقّ “للحارث” أن يرثي ابنه قائلاً: «إن قتل الكريم بالشسع غالٍ»، يحق لي وأنا صديق “سالم” منذ الطفولة أن ارثيه قائلاً: «إن قتل الكريم بالتبغِ غالٍ».

قُتِلَ سالم من أجل حفنة تبغ قذرة تقتل شاربها، قُتِلَ غدراً كما يُقتلُ العُظماءُ أمثال “كُليب وائل” و”يوليوس قيصر”، قُتِلَ بطريقةٍ أبشع بكثير من الطريقة التي قُتلت بها العجوز المرابية على يد “راسكولينكوف” في الجريمة والعقاب.

خرجت الأم تركض كالمجنونة، يتبعها أبناؤها وزوجة المغدور نحو السيارة، كان ابنها الكبير ممداً بنصف وجه، والدماء تملأ جسده، تتحدث إليه فلا يجيب، تأخذ نصف وجهه بيدها وتصرخ: «رد عليّ.. كلمني يا روحي». والزوجة تبكي وتطالبه بالاستيقاظ، وتقبل وجهه المحنّى بالدماءلكن “سالم” لا يستيقظ. هجمت الأم وابناؤها الجياع ليأكلوا لحم “أبو علاء” المكبل بالسيارة وهو حي، ضربوه حتى كاد يموت،  فحال “عماد” وجنوده بينهم، فهناك الكثير ليخبرهم به قبل أن يموت، كقصة قتله لسالم.

وقعت الجريمة في اليوم الأول، بعد عودة “نور” بربع ساعة، إذ قال “أبو علاء” لـ”سالم”: «وجدت طعاماً في ذلك البيت أمس، وتركته كي أتقاسمه معك اليوم»، قال له سالم: «لماذا لم تأخذه يا رجل؟ أنت لديك أطفال وهم بحاجة إلى هذا الطعام». ليس غريباً على “سالم” أن يقول هذا وهو لشدة كرمه وطيبته يهب روحه لمن حوله.

روى “أبو علاء” كيف قتل “سالم” في المطبخ، حين دخل وبدأ يبحث على الرفوف وفي الخزن.. تراجع المجرم عدة خطوات إلى الخلف وقال: «أنت تقف على الطعام أنه تحت قدميك.. أبعد هذا الكيس».. وحين انحنى “سالم” ليبعد الكيس، طعنه بظهره بسكين استلّها من تحت معطفه. التفت إليه المغدور- كأنه “يوليوس قيصر” عندما عاتب صديقه: “حتى أنت يا بروتس”- وعاتبه: «له يا “أبو علاء”.. ليش هيك». وقد علق المجرم على هذه الجملة أثناء التحقيق قائلاً: «قتلته بثلاث طعنات، وقتلني بكلمة واحدة». إذ لم يكتفِ المجرم بطعنة واحدة بالظهر، بل طعنه بخاصرته اليمنى، وعندما بدأ يختل توازن سالم ويصرخ متألماً، كان لا بد من طعنة قاتلة تقطع صوته، فثبّته من رقبته وغطّى عينيه بيده، وطعنه بحنجرته، فسقط سالم على الأرض مقتولاً.

سحب “أبو علاء” الجثة من المطبخ إلى غرفة النوم وأخفاها بالثياب، ثم هزّ الخزانة حتى سقطت فوقها، وأخذ سلاح “سالم” وهرب من الحي، ومن ثم باع الرشاشين واشترى بثمنهما عشرين سيجارة وكيلو من الأرز، وعندما ذهب في الليلة الثانية للحادثة ليتفحص الجثة، ويطمئنّ أن الجريمة لم تُكشف، وجد دراجته في مكانها فأخذها كي لا تكون دليلاً عليه. وكان يبرر فعلته بقوله: «الجوع كافر».

“سالم” لم يكن ضحية “أبو علاء” فقط، بل كان ضحية هذا العالم القذر، لو أن هذا العالم الكبير، الصغير بحجم حذاء “جلنار”، تحرك لإنقاذنا من إجرام النظام لما احتجت أن أكتب “قصة موت سالم”، بل أن أكتب قصة الحب التي دامت لخمس سنوات وتكللت بـ”جلنار”. لو أن هذا العالم  أبدل تعاطفه بقرارات جدية لما عاشت “جلنار” زهرة الرمان وغيرها من أطفال سورية دون آباء أو أمهات.

الآلام التي أصابت العجوز فجأة عندما همّ بحمل السلة، لم تكن مصادفة، كأنه بالفعل قُتل مع ابنه. دُفن صديق طفولتي في تربة الشهداء. وظلت أمه تذهب لتزور قبره في كل يوم كي لا يشعر بالوحدة في قبره، كما كانت تقول. خرجت زوجته بعد مقتله بأسبوعين ضمن الحالات المرضية الحرجة التي كانت تخرجها منظمة الأونروا من حاجز مخيم اليرموك، وبعد نهارٍ كلمتنا من لبنان، وقالت إنها بحالة جيدة. وبعد أسبوع من وصولها جاءت “جلنار”، وعمرها الآن خمس سنوات وهي تشبه والدها بشكل كبير، بالشكل والطبع والابتسامة العذبة.

أُحيل “أبو علاء” إلى المحكمة، وحكم عليه بالقتل، إلا أن هذا العجوز المنحدر من قبائل بربرية من تونس الشقيقة، اقتص لابنه بطلقة استقرت في رأس المجرم تنفيذاً للحكم. رأيت عينيه بعد القصاص من القاتل كيف انفجرتا إلى اثنتي عشرة عيناً تبكي، وتقول لترقد الآن بسلام يا بني.

“سالم” لم يكن ضحية “أبو علاء” فقط، بل كان ضحية هذا العالم القذر، لو أن هذا العالم الكبير، الصغير بحجم حذاء “جلنار”، تحرك لإنقاذنا من إجرام النظام لما احتجت أن أكتب “قصة موت سالم”، بل أن أكتب قصة الحب التي دامت لخمس سنوات وتكللت بـ”جلنار”. لو أن هذا العالم  أبدل تعاطفه بقرارات جدية لما عاشت “جلنار” زهرة الرمان وغيرها من أطفال سورية دون آباء أو أمهات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى