ذاكرة بحر

بين شاطئين وماء.. رسائل البحار

«وصلنا ألمانيا أمس أخي “ماجد”، الحمد لله، بعد طول معاناة، الأولاد بخير ويهدونك السلام».

“أم محمد” امرأة من حيّ “الجميليّة” الحلبيّ، تلقّت خبر مقتل زوجها، في مواجهة مع قوات النظام، على محور الحمدانية، مدخل “حلب” الجنوبي. ترك لها صبيّةً في العشرين، وفتى في السادسة عشرة، وفتاة في الثالثة عشرة.

بعد بضعة أشهرٍ، عندما بدأت الطائرات والدبابات والمدافع وراجمات الصواريخ… تدكّ “حلب الشهباء” من مختلف الجهات، لم تجد “أم محمد” سبيلاً لإنقاذ أسرتها، سوى الفرار بهم من جحيم البارود والنار… جمعت ما ادّخرته الأسرة عبر عقدين من الزمن، وانطلقت بأولادها الثلاثة باتجاه لبنان، برحلة عذاب لا تقلّ عن عذاب الباقين تحت القصف والحصار، وإن اختلفت قليلاً.

قالت لي عبر الهاتف: «قلت لنفسي؛ إما أن نموت أربعتنا إذا كتب لنا القدر نهايةً، وإما أن أنقذهم وأوصلهم إلى برّ الأمان… فبقاؤنا كان موتاً محتّماً… وصلنا إلى “الدبوسيّة”، نقطة الحدود مع لبنان، وبعد ثماني ساعات من الانتظار والتدقيق، سمحت لنا السلطات اللبنانية بالدخول، فاتجهنا إلى ميناء “طرابلس” مباشرة. بتنا ليلتنا على الرصيف، ملتحفين السماء والبرد.

شكّلوا ما يشبه المعسكر الصغير وسط الغابة، أكلوا القليل وشربوا القليل منما معهم، لم يكن هنالك حمّامٌ، أو مكان خلاء مناسب. طال الانتظار. لا أحد يردّ على الهاتف، ولا أحد يأتي لنجدتهم. أحسّ الجميع بانهيار أعصابهم، وبقرب الموت من البرد.

في اليوم التالي انطلقت باخرتنا إلى “مرسين” التركية، لتصلها بعد منتصف الليل، بعد ثلاث عشرة ساعة في البحر. بتنا ليلتنا أيضاً في العراء، وفي اليوم التالي لم نجد حافلة تقلّنا مباشرة إلى “اسطنبول”، فركبنا حافلةً إلى “أضنة”، ومنها حافلة أخرى إلى “أنقرة” العاصمة، التي بتنا فيها ليلةً، حتّى تسنّى لنا السفر منها إلى “اسطنبول” في حافلة ثالثة، لنصلها بعد ثمانٍ وأربعين ساعةً، تعرضنا خلالها لابتزاز السائقين، ودفعنا الكثير من مدّخراتنا.

في “اسطنبول”، نزلنا ليومين عند أحد معارفنا، ريثما تواصلنا مع أحد المهربين. تلقّينا منه التعليمات. قبض خمسة آلاف دولار ليوصلنا إلى اليونان فقط… اشترينا حاجياتنا ولوازمنا على عجلٍ، وحزمنا حقائبنا وانطلقنا إلى ساحة “أقصراي”، منطقة التجمّع التي أشار إليها المهرّب (أحد أحياء “اسطنبول”)… هناك، وجدنا خمس حافلات تنتظر، ومجموعات كبيرة من البشر تتوزع عليها. صعدنا في إحداها، مع أننا كنا خائفين من النتائج، لتنطلق قبيل المغرب.

في الطريق، كان السائق يسير بسرعة جنونية، أرعبت الجميع، وإذا طلبنا منه التخفيف قليلاً، أخذ بالزعيق بكلام لا نفهمه، كأننا سجناء ننقل من سجنٍ إلى آخر، دون حراسة… انتصف الليل. سار قرابة الساعة دون أضواء داخل السيارة أو خارجها. الكلّ يلاعب قلبه بين قدميه… وفجأة، خفّف سرعته جدّاً، وانعطف بين الأشجار في غابة جانبية، وأطفأ المحرك. طلب من الجميع التزام الصمت التام: البوليس يلاحقنا… يجب أن نختبئ قليلاً.

ثلاث ساعات، نام معظمنا رغم البرد الشديد، وبعضهم نام على أرض الحافلة بسبب الازدحام. قبيل الفجر عاود المسير، بعد عدة اتصالات هاتفية. ساعتين واختبأنا من جديد.. ننطلق… نختبئ.. وانقضى الليل الثاني، وجاء شروق الشمس زاحفاً. رغم الإحساس بالدفء النسبيّ، كنّا في أسوأ حال، وقد توقفنا للمرة السابعة أو الثامنة، لا أحد يُحصي عددها.

توقّف بين الأشجار وطلب منّا النزول، لم نقبل. كان التعب والنعاس قد أخذا بتلابيبنا. وَعَدَنا بأن يعود بعد ساعتين، عندما يصلح الحافلة، ويتزود بالوقود. لم نسمع ولم نقبل. اتصل، وانتظرنا.

وصلت سيارة جيب ذات دفع رباعي بعد ساعة. ترجّل منها رجلان ملتحيان يحملان السلاح، أشاروا للجميع بالنزول تحت التهديد. تركونا على الأرض مع حقائبنا وأمتعتنا، وقبل أن ينطلقوا صاح أحدهم: سنعود في الليل، لا تغادروا المكان، البوليس يملأ الطرقات، ومن يغامر بالخروج يكون عرضة للاعتقال».

كان العدد كبيراً على بلم مطاطي، لكننا صعدنا، لم يكن لدينا خيارات. درّب المهرّب شابّاً من مجموعتنا على طريقة تشغيل البلم وقيادته. لكن المحرك أبى أن يشترك في جريمة قتلنا. استبدله المهرّب بمحرّكٍ آخر. اشتغل بعد تجربتين، وانطلقنا.

شكّلوا ما يشبه المعسكر الصغير وسط الغابة، أكلوا القليل وشربوا القليل منما معهم، لم يكن هنالك حمّامٌ، أو مكان خلاء مناسب. طال الانتظار. لا أحد يردّ على الهاتف، ولا أحد يأتي لنجدتهم. أحسّ الجميع بانهيار أعصابهم، وبقرب الموت من البرد.

عند العصر، جاءت سيارة “مرسيدس” بيضاء، فيها ثلاثة أيضاً، أحدهم يرتدي بذلةً وربطة عنق. طلب من المجموعة شخصاً يرافقه، للاتفاق مع حافلةٍ تأتي لتقلّهم. بعد ترددٍ وتشاورٍ بين الوجوه الصامتة، تطوّع شاب للذهاب معهم. طالت غيبته، حتى داخل الشك الجميع على مصيره. بعد ثلاث ساعات اتصل وطلب من كل واحد تحضير سبعين دولاراً، حتى تأتي سيارة تقلّ الجميع إلى نقطة التجمع. وافق الجميع على مضض، «المهمّ أن نصل ونخلص من العذاب».

قبيل منتصف الليل، جاءت شاحنة كبيرة، دخلت المخيّم الصغير. ترجّل منها الشاب المتطوّع، وملتحيان كانا يجلسان بجانب السائق. طلبا من الجميع الصعود إلى الشاحنة. المرأة معه، عرّف عليها بأنها صاحبة الشاحنة، أوقفته عن إصعادهم: «عددهم كبير، أريد مضاعفة المبلغ».

كانت سيارة نقل بندورة، وبقايا البندورة المفعوسة تملأ صندوقها. مع ذلك وافق الجميع، ودفعوا الأجرة مضاعفة، “المهمّ الخلاص من العذاب”، جلسوا متكوّمين فوق السائل الأحمر، الشبّان على محيط الصندوق متكاتفون، حتى لا يسقط الصغار والنساء والعجزة من الشاحنة المكتظة، التي انطلقت لساعات في طرق ترابية، بين الغابات والصخور، حتى أصبح الجميع كالبندورة المفعوسة.

كان مزاج السيارة سيّئاً. ساعة تجنّ غير عابئة بالبرد المميت، وساعة تسير في نزهة ربيعية. مرّة بين الأشجار وفوق التراب والصخور، لا تكترث بتكسّر وانفعاس البندورة بعضها ببعضٍ… وأخرى تنطلق كالسهم فوق الطرق المعبّدة تسابق الجنّ، والقلوب تسابقها إلى الخوف.

لم يطُل الأمر. بعد الظهر، طاردتهم الشرطة التركية، تصيح بمكبّر الصوت، مسافة قصيرة ثمّ توقف السائق، كانت سيارة شرطة أخرى تسير أمامه، وتشير له بالتوقف.

اقتادوا الجميع إلى مخفر صغير، جرى فيه فرز السوريين إلى جهةٍ، والباقي؛ من عراقيين ولبنانيين وأفغان وهنود وباكستانيين…. إلى جهة ثانية. أخذوا السوريين إلى دائرة شرطة كبيرة، يبدو أنها المركز. قدّموا لهم الماء وبعض الطعام، وللأولاد البسكويت والشوكولاتة. بصم الجميع بعد أخذ إفاداتهم فرداً فرداً، وتوقيعهم على ورقٍ، يتعهّدون به ألّا يهربوا مرّة ثانية من “اسطنبول”. أحضر شرطي حافلةً كبيرة، أصعدوهم إليها ليتكوم بعضهم فوق بعضٍ. مئة بين كبير وصغير في حافلةٍ، عادت بهم إلى “اسطنبول”، بعد أن دفع كل واحدٍ منهم مبلغاً جيداً من المال.

دُلفينان جميلان يلمع جلدهما تحت أشعة الشمس، التي تظهر وتغيب. يجرّان البلم بحمله، يتسابقان بالشدّ والجذب… تلاشى الخوف من الجميع، عندما رأينا شارة الصليب الأحمر الدولي على المركب، وشباب الإغاثة وشاباتها يلوّحون لنا مبتهجين، ويرمون لنا بالحلوى والشوكولاتة. ويبتعدون لإنقاذ بلمات أخرى بدأت تظهر وراءنا تباعاً.

يومان جديدان يمضيان، وهم بالانتظار. اتصل المهرّب بهم. جمعهم من جديد حوالي التاسعة مساءً، في ساحة “أقصراي”. كان السفر هذه المرة بالتكسي. صعد كل خمسة منهم في سيارة، وانطلقوا… ثماني ساعاتٍ في رحلة جديدة من العذاب والخوف، والسرعة الجنونية، ومطاردة الشرطة التركيّة… هذه المرّة كُتب لهم النجاة، والوصول مطلع الفجر إلى نقطة التجمّع على الشاطئ، بعد أن قطعوا ساعة في الجبال والوديان، سيراً على الأقدام بأحمالهم الثقيلة.

الأعداد كبيرة، تتجاوز ثلاثمئة شخص. الكلّ يرتدي سترة النجاة وثياب الغوص، ويرتّب حوائجه ويستعدّ. وصلت البلمات. نُفخت واحداً إثر آخر، وبدأ المهرّب يوزع كل أربعين “رأساً” في بلم.

توضح “أم محمد”: «كان العدد كبيراً على بلم مطاطي، لكننا صعدنا، لم يكن لدينا خيارات. درّب المهرّب شابّاً من مجموعتنا على طريقة تشغيل البلم وقيادته. لكن المحرك أبى أن يشترك في جريمة قتلنا. استبدله المهرّب بمحرّكٍ آخر. اشتغل بعد تجربتين، وانطلقنا.

بعد مسافة توقّف. نصف ساعة من المحاولات، وانطلقنا مجدداً. توقّف… انطلقنا… توقّف في منتصف المسافة هذه المرّة. البحر هادئ تماماً، والكلّ هادئ من شدة الخوف، والمحرك مصرّ على المشاركة بالجريمة. من بعيد رأينا سفينة بدأت تقترب، أخذنا نلوّح لها، لا بد أنها رأتنا، وبدأت تقترب. كانت الشرطة التركية، توقفوا بجانبنا وهم يصيحون بنا، لم يكن أحد يفهم ما يقولون. اتفقنا فيما بيننا على ألّا ننصاع لهم، لأنهم سيعيدوننا إلى الشواطئ التركية. رموا لنا بحبل لنلتقطه ونربط به البلم، فلم نفعل. صاحوا ولم نردّ. فجأةً، بدؤوا يضخّون الماء من خرطوم قويّ علينا، حتّى نخاف من الغرق ونمسك بالحبل، لم نفعل. شاهدنا الموت بأعيننا مراتٍ، كان يحوم فوقنا بجناحين أبيضين.

الماء يفرض علينا السباحة، دون أن ننزل إلى البحر، والبلم بدأ يبتعد تحت ضخّ الماء، وينحرف يمنة ويسرة، أو يدور في مكانه، والكل يزعق ويصيح، منتظراً لحظة الغرق. سقط الكثير من متاعنا ولم نأبه، بل نحن بدأنا نتخلص ممّا معنا لكي نخفّف عن البلم. لم نكن نصدّق أن القدر معنا إلى أن انطلق البلم فجأة، اشتغل المحرّك، وطار مبتعداً عن السفينة التي ما تزال ترشّ الماء.

الكثيرون منهم وصلوا سالمين، بعد أن دفعوا من مالهم وأعصابهم، ثمن الخوف والتعب والمعاناة، ورؤية الموت بجميع الأشكال والألوان؛ من الأحمر إلى البنفسجي، وليس فقط مروراً بألوان الطيف جميعها، بل ما تحت الأحمر، وما فوق البنفسجي… وكثيرون كثيرون أيضاً، خطفهم الموت الأسود، في غفلة من الآلهة والملائكة، فتحوّلوا طعاماً لأسماك البحر وحيتانه.

لم تتبعنا السفينة، يبدو أننا دخلنا المياه اليونانية. لم تكد السفينة تختفي حتى توقّف المحرك من جديد، لا حول ولا قوّة إلّا بالله. لعبة القدر بالأعصاب أصعب من الموت بحدّ ذاته… ساعة يتوقف، وخمس دقائق يعمل، بدأت “لسبوس” الجزيرة اليونانية تظهر، نراها أمامنا من بعيد. البلم يكاد يغرق، رغم أننا ننضح الماء منه.

انتصف النهار، ونحن على هذه الحال من العذاب المريب… رأينا مركباً ضخماً يتّجه نحونا، هو قادمٌ من ناحية الجزيرة اليونانية. اقترب منّا قليلاً. قفزت منه سبّاحتان، ربطتا البلم بحبال، وانطلقتا باتجاه الجزيرة سباحة، دُلفينان جميلان يلمع جلدهما تحت أشعة الشمس، التي تظهر وتغيب. يجرّان البلم بحمله، يتسابقان بالشدّ والجذب… تلاشى الخوف من الجميع، عندما رأينا شارة الصليب الأحمر الدولي على المركب، وشباب الإغاثة وشاباتها يلوّحون لنا مبتهجين، ويرمون لنا بالحلوى والشوكولاتة. ويبتعدون لإنقاذ بلمات أخرى بدأت تظهر وراءنا تباعاً.

عند الشاطئ، وقفت البطلتان اللتان سحبتا البلم سباحة، أكثر من عشرة كيلومترات، إنهما الأختان السوريتان “سارة مارديني” 20 عاماً، وأختها “يسرى” 17 عاماً، كان الجميع يبكي، ونحن نعانق البطلتين المنقذتين، ويعانق بعضنا بعضاً، غير مصدّقين أننا نجونا من براثن الموت، بعد أن أنشبها في أرواحنا ساعات ممضّة».

لم تكن “أم محمد” وأولادها، وحدهم من مرّ بهذه التجربة المريرة. مئات آلاف اللاجئين، ليسوا السوريين فحسب، بل من مختلف الأمصار… عبروا بحر “إيجة” من تركيا إلى اليونان، بمراكب سياحيّة أو عادية، ببلمات أو زوارق صيد أو بواخر عابرة… كذلك منهم من عبر البحر المتوسط من “مرسين” إلى إيطاليا… وآخرون عبروا من ليبيا أو تونس أو مصر….. إلى إيطاليا. الكثيرون منهم وصلوا سالمين، بعد أن دفعوا من مالهم وأعصابهم، ثمن الخوف والتعب والمعاناة، ورؤية الموت بجميع الأشكال والألوان؛ من الأحمر إلى البنفسجي، وليس فقط مروراً بألوان الطيف جميعها، بل ما تحت الأحمر، وما فوق البنفسجي… وكثيرون كثيرون أيضاً، خطفهم الموت الأسود، في غفلة من الآلهة والملائكة، فتحوّلوا طعاماً لأسماك البحر وحيتانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى