ذاكرة مكان

على هامش منابر الطاغية في دمشق

ترتاح الأماكن ممتدة في أطراف دمشق نحو حواريها القديمة،حاملة ذاكرة لا تعرف مدتها الفعلية سوى الآلهة التي ارتدت أثواب الزمن في ظلال أبوابها.

تقول الأساطير ملاحم طويلة عن الأبواب السبعة وارتباطها بأطوار الكواكب وسير المدارات، ويختلف مثقفو دمشق حول أصول الحكاية الأولى وتأويلاتها، ويفتعلون في أشعارهم ومقطوعاتهم النثرية تفاسير تصل حد التناقض أحياناً، وتُبنى حولها المكائد أحياناً أخرى، لهدف واحد فقط، غالباً ما يكون الإسقاط على الواقع الحالي.

برع البعض في ذلك، عنوة، وليس لأنه اختار لأسلوبه أن يحمل المجازية الرمزية، لكن سياسة كم الأفواه والانحياز نحو تيار فكري واحد أجبرته على استخدام ثوب اللغة الفضفاض والاستغراق في التخفي خلف ستارة الماضي السحيق.

أضأتُ في قلبي مصباحاً من الوضوح وجلستُ في بقعة النور التي رسمها داخلي، أراجعُ صفحاتي لأختار ما سأقرأ في اليوم التالي ضمن فعالية ثقافية في دمشق، لاحظتُ – دون تفكير طويل في الأمر- أنني حتى في أوراقي الخاصة أتجنبُ طرح المحظورات السياسية، وأراوغ في كلماتي حول المحظورات التاريخية، وأمتنع بكل ما أوتيت من لغة عن ذكر المحظورات الدينية، كأن هذا الوجدان قد برمج نفسه على متطلبات أهواء الحاكم اللعين، تلقائياً، أو ربما بأوامر واضحة قد صدرت عني في لحظات الخوف والترقب التي عايشتها مرات عديدة عندما تجرأ أصدقاء لي على فتح أفواههم.

احتفالاً بنهاية العام الدراسي الأول لي في كلية الإعلام في عام  2004م قمنا بالتحضير لمسرحية تتحدث عن خيبة العرب باسترجاع فلسطين الحبيبة، وفي مشهدها الأخير زرعنا بعض الكلمات التي تستنهض القضية السليبة في قلوب طلاب الجامعة؛حينها، تفجرت تلك الكلمات قنابل موقوتة في منظور رجال البعث فاستدعوا (حراس الأمن الجامعي) وقاموا بجر الشبان إلى الفرع، بينما عم الصمت أرجاء القاعة ولم يتجرأ أحدنا على التصريح برأيه حتى.

خيباتٌ كثيرة تلت انكسار العرب أمام الصهاينة، وبني فوقها جدار أكاذيب وأوهام حتى صار التحدث في الأمر يحمل مجموعة من التناقضات، تصل بالبعض إلى المطالبة ببراءة من يفترضون السلام حلاً و يقبلون به مصيراً نهائياً للقضية… بينما اتخذتُ على نفسي كلمات أمل دنقل عهداً  “لا تُصالح ..هي أشياء لا تشترى..”.

تم بيع الجولان لاحقاً في صفقة شفافة لدرجة تجعلها غير مرئية، وقُسمنا دون أن نعلم إلى طوائف وأحزاب دينية، رسم مسيرها البعث بحسب مصالحه، وما استطعنا رفع الحصار عن أقلامنا، ولا البوح – على أقل تقدير – بأفكارنا ورؤيتنا المستقبلية، ومهما احتدت المزاودات فيما بيننا وأثبتنا أننا نمتلك من الثقافة والنظرة الاستشرافية ما لا يمتلكه سوى مثقفي سورية، إلا أننا كنا عالقين أبداً بين أنياب الممنوعات والمحظورات.

تحمل المرآة لنا رنين الجنازير والأغلال.. في كل صباح تحذرنا لنغلق على أصواتنا الداخلية أبواباً حديدية، لا يمكن اختراقها بخيط شمس ولا حتى بغبار الأيام الشريدة التي سلبت من أحلامنا وأعمارنا، وتمسك النوافذ بأطراف جدران المنازل تصير أفواهاً تمتلك أخباراً عابرة تسربها للمارة إذا احتاج الطريق لمعرفة دربه نحو مزيد من الموت. 

فالشعر لدى هذا النظام مختصر في شعراء البلاط أما أن يغرد أحدهم خارج السرب فهذا من المحرمات، كما حدث مع أحد أصدقائنا أواخر عام 2013حينما كان ضيفاً على أمسية شعرية في مقهى (القصيدة الدمشقية) واستمع إلى قصائد المداحين الذين يمجدون الذبح وسفك الدماء على أنه نصر وطني، فطالبه بعض الأصدقاء من الحاضرين إلى الوقوف على المنبر وإلقاء قصيدة تطلق التمرد السوري في الأفق، واختار أن يلقي قصيدته التي تحمل عنوان “ثلاث خطوات نحو  المجزرة“.

يُعتبر المسؤول عن الأمسية رجلاً من رجال النظام الموالين إلى أقصى الحدود، وهو أحد العاملين فيما يسمى (التلفزيون السوري) وكان قد حدث خلاف بينه وبين صديقنا حول استضافته في “قناة سما” التابعة للنظام، فرفض ذلك رفضاً قاطعاً ودار بينهما حديث طويل حول الأكاذيب التي تبثها هذه القناة للشعب السوري وكيف تنقل أخبار المجازر التي يرتكبها النظام على أنها نصر (للجيش العربي السوري) وانتهى الحديث بينهما حينما أماط صديقنا طرف بنطاله ليريه أثر الرصاصة في قدمه التي وجهت إليه في المعتقل، من قبل جلاد كان يهدده ليعترف بأشياء لم يفعلها.

وقال له : “المسافة بين الرصاصة وحذائي لا تتجاوز 15 سم، أنا لا أحبذ لغة الرصاص كما تؤمنون أنتم التابعون لهذا النظام الإجرامي، لكنني أعرف أنكم ستضربون أنفسكم بالأحذية يوماً ما”.

بعد أن أنهى إلقاء قصيدته و خرج من المقهى واتجه نحو حارات باب شرقي القديمة تبعه بعض الحاضرين من أصدقاء المسؤول عن الأمسية وطاردوه، لكنه نجا من أيديهم إلى أن تم إيقافه لاحقاً على أحد الحواجز التي زرعها النظام في جسد دمشق، واستطاع الهرب من أيديهم مجدداً بمساعدة أحد الأشخاص المتواجدين على الحاجز إلى منطقة الحرجلة في الكسوة، واختبأ هناك مدة من الزمن إلى أن سافر خارج البلاد.

إنها منابر الطاغية الثقافية، كالديدان ينخرُ مرتادوها مسامعنا طيلة عقود ! فلا بدّ من ألف ثورة

نضجت المدن خلال الثورة وصارت للّغة دوائر جديدة لا تتسع لها المراكز الثقافية التي احتكرت على مدى الزمن كل المهرجانات الفنية والأدبية لتكون تحت المراقبة الشديدة حتماً.

بدأت أصوات الحرية ترتفع، وكَسَر الآلاف قوائم المحظورات، فباحت الأقلام بمكنوناتها والتحمت الأيدي لتشكل سياجاً شائكاً آلم عنق الطاغية الطويلة، فارتد بكل ما أوتي من دهاء وحاول جذب المثقفين باستضافتهم في شاشاته المسعورة، وادعائه احتواء طبقة قادة الرأي في المجتمع، بينما أظهر أنيابه تجاه معارضيه الذين صرحوا بآرائهم ورفضهم للاندراج في قائمة أتباعه، فاعتقل الكثيرين ووصل به الأمر إلى إحراق منازلهم وملاحقة عائلاتهم، ظناً منه أن هذه الممارسات ستمنع اندلاع المزيد من الأقلام ضده.

انقسمت الثقافة على نفسها، فتحولت مقاهي دمشق إلى حلبات للمصارعة الفكرية، وباتت المشروبات التي يحتسيها الزبائن ممزوجة بصبغة طائفية، الجميع يبارز الجميع على إظهار تبعيته المقيتة، ويضخ في فضاء المكان ملامح انجرافه المختل نحو طرف دون آخر، أما الحقيقة الطرف الأكثر بؤساً في سورية فلم يقترب منه أحد، لطالما كان مهمشاً في تاريخنا المغتصب – ألف مرة – وساكناً، مع العلم أن السكون هو الموت لا أكثر، والفراغ هو الشيء الوحيد الممتلئ بالسكون، إلى أن تنشأ في الكون معادلة جديدة يقرر بعدها “يوهانس كيبلر”  أن الكواكب لا تسير في مدار ثابت، ولا تتخذ الشمس مركزاً لها، وأن الشعب يوماً إذا أراد النجاة لن يجد لذلك سبيلا، فالنجاة ليست مطلباً حتى، إلى أن يقرر – هذا الشعب ولا أحد غيره – البحث عن الحياة الكريمة.

بعد أن قلبتُ أوراقي جميعاً وتفحصتُ سطورها لم أجد ما يشبهني لأقرأه في تلك الفعالية، إنه اعتراف شديد الخطورة بالنسبة لي، لكنني اعتدتُ أن أصارح نفسي بكلمات واضحة وأعاتبها بصوت عالٍ يُخرج الحزن الذي يتنفسه قلبي كلما خذلتني السطور.

 فقررتُ قراءة “الإينوما إليش” (أسطورة الخلق الأولى) إنها قصة التكوين البابلية التي تعيد بناء الحياة من جديد؛ علي أعيد بناء وجداني مجدداً بعيداً عن كل ما أرهقته به سابقاً من أثقال لا يقوى على حملها، أو ما أرهَقَته به هذه البلاد طريحة الحزن الأزلي، ربما قبل نشأة الأساطير حتى، وقبل أن تنهض الشمس من سرير البحر عاريةً لتحرق ما تبقى من ملامحنا.

  • إنها منابر الطاغية الثقافية، كالديدان ينخرُ مرتادوها مسامعنا طيلة عقود ! فلا بدّ من ألف ثورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × ثلاثة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى