ذاكرة بحر

بين ماءٍ ورمال

«لم تعرفني المرآة…

بل شككتُ أن أكون أنا هذا الكائن الهلامي الأبله الأشعث الذي ظهر في الصورة.. أفي أربعين يوماً تَحُوْلُ شخصيتي عن حالها؟ وتحوّل مظهري إلى كائنٍ خرافيٍّ؟ لعلي نسيت أن أنظر إلى حالي في انتظار وصول ابنتي وأخي. أنا الذي صعدت المركب من “زوارة” في ليبيا، ولم يلحقا بالمركب».

“وليد” الذي انقطعت أخباره عني لأكثر من شهرين، وصلتني منه رسالة “واتس أب” أخيراً تطمئنني عنه، تقول الرسالة التي استسمحته بنشرها:

«صديقي “ماجد”، وصلنا أخيراً يوم أمس إلى “ميونخ”، وأخي وابنتي وأنا، بعد أن تقطّعت أوصالنا في البحر.. كان الوضع فيلماً سينمائياً رديء الإخراج، رغم ما تخلّله من “أكشن” لم تدركه قرائح المخرجين بعد على ما أظنّ، كأكذوبةٍ مستحيلة التصديق.. كيف لعب القدر الماكر لعبته، كأن الإله يتندّر على مآسينا ويتسلّى؟

في “زوارة”، كانت النساء والأطفال في بيت والرجال في بيت آخر، فالمهربون الملتحون المتأسلمون يطبّقون تعاليم الدين بالمقلوب، وكأنّهم يمسكون بالدين من ذيله، حتى إنهم يُصعدون الرجال إلى المراكب أولاً، ثم يُلحقون بهم النساء والأطفال، وفي زوارق متتالية.

كان الطقس جميلاً والشمس مشرقة، غير أن المركب القديم المُتهالك الحامل لضعفي قدرته، بدأ ينفذ الماء إلى قاعه، فأخذنا نتناوب نضح الماء بالدلاء حتى لا نغرق، ومع ذلك طلب القبطان من الجميع رمي حقائبهم التي تحمل بعض الأطعمة والأشربة والثياب، للتخفيف عن المركب..

سرنا في الماء الرقيق مئتي متر، وصعدنا إلى الزوارق المطاطية (البلمات: جمع بلم) التي أوصلتنا إلى المركب الراسي في وسط البحر، وكانت المفاجأة أنه مركب صيد، خشبه قديم أعيد طلاؤه حديثاً، طوله سبعة عشر متراً. أصبح عددنا على المركب أكثر من ثلاثمئة وعشرين هارباً، في حين هو مخصّص لمئتين، كما قال لنا المهرب قبلاً.. أعادني المشهد إلى المعتقلات التي مكثت فيها مدة ليست بالقليلة، يجلس المرء سانداً ظهره إلى ظهر زميله، ولا يكاد يتحرّك أو يحرّك قدميه.

ابنتي بقيت مع النساء والأطفال، على أن يأتوا بعدنا إلى المركب ذاته، لكن قبطان المركب التونسي، قرّر الانطلاق بحمله الذي لم يعد يستوعب المزيد، بعد أن اتصل بالمهربين، وقال لنا إن ما تبقّى من النساء والأطفال سيلحقون بنا في المركب الثاني، وفعلاً اتصل بقبطان المركب الثاني، وأعطاه الإحداثيات ليلحق بنا.

اتّصلت بابنتي، فأخبرتني أنها على الزورق المطاطي المتجه إلى المركب، فأدركتُ أنها ستكون في المركب الثاني، لأن مركبنا انطلق في هذه الأثناء، ورغم إحساسي بالألم والخوف عليها، خضعت للأمر الواقع، والنار تلتهم أحشائي عليها من هذه المغامرة الممضّة، وانتظرت أن نجتمع على الشواطئ الإيطالية عند وصولنا. انقطعت الاتصالات بعد دقائق، حيث أصبحنا خارج التغطية الأرضية والسماوية. كان الطقس جميلاً والشمس مشرقة، غير أن المركب القديم المُتهالك الحامل لضعفي قدرته، بدأ ينفذ الماء إلى قاعه، فأخذنا نتناوب نضح الماء بالدلاء حتى لا نغرق، ومع ذلك طلب القبطان من الجميع رمي حقائبهم التي تحمل بعض الأطعمة والأشربة والثياب، للتخفيف عن المركب.. وفعل الأكثرية.

الليلة ليلة عيد الأضحى وكبش الفداء.. الواقفون على “عرفة” ينتظرون التضحية بأضحياتهم، والبحر ينتظر التضحية بأضحياته.. أين أنت يا “إسماعيل” تُعين أباك؟! جاب المركب البحر، والراحلون يموجون مع الموج.. طال دوار البحر الكثيرين، والحال عند الجميع يرثى لها، أخذ التعب والإرهاق والجوع والعطش والدوار من الجميع، ومع ذلك كانت العقول والقلوب والأنظار تتّجه نحو المركب الثاني، الذي لم يظهر في الأفق، فهناك أحباب ورفاق عمر ودرب لكل منا. 

كنا- جوقة الرجال والشباب- متكاتفين على حافة المركب خشية سقوط أحدٍ في الماء. وبعد ست عشرة ساعة على انطلاقنا نفد الوقود من المركب.. القبطان يحاول الاتصال بالمركب الآخر، أو بأيّ أحد يلتقط إشارته، لكن اتصاله قُطع.. نصف ساعة جفّ فيها الدم في عروقنا، واللعاب في أفواهنا، ولا سيّما لحظة انقلاب الطقس وتحرّك الموج، وهبوب ريحٍ تنذر بعاصفة.. أيقن الجميع بالهلاك، وتهيّأ البحر، وأخذ يسنّ حرابه لأضحيات العيد، وموجه أخذ يتلاعب بالقلوب والأرواح، ويقبّل جوانب المركب الراقص على آلامنا.

باخرة ترفع العلم الليبيّ اقتربت من الخلف باتجاهنا.. يا لإسعاف القدر.. لكن خاف الجميع من إمكانية إرجاعهم، بعد أن أودعوا حياتهم وإمكانياتهم في غياهب موج البحر المنتشي بصراخ الأمهات وعويل الأطفال.. ما إن اقتربت السفينة قليلاً حتى ظهر العلم النرويجيّ إلى جانب العلم الليبيّ، فعادت بوارق الأمل للظهور على الوجوه، لعلمهم أن الأوروبيين رحماء في تعاملهم مع اللاجئين.. يا للمفارقة العجيبة، ابن جلدتك يقرّب إليك الموت ويسلّمك لأنيابه بيديه، والغريب يهب لك الحياة والطمأنينة والسلام!!!

ارتفعت الهتافات والتلويح بالمناديل وبالأطفال، اقتربت السفينة، وبدأ التهليل والتكبير مع جواب قبطانها الإيجابي بالانتقال إليها.. العاصفة التي انتظرت بمحبّة انتقالنا حتى آخر رأس إلى السفينة العملاقة، كشّرت عن أنيابها وطوقتنا، وراحت تتلاعب بأعصابنا.. غدت السفينة كالريشة في دوامة.. حقّاً كتب القدر لنا عمراً جديداً بانتقالنا إلى السفينة، فلو بقينا أقلّ من ساعة في المركب المتهالك الذي ابتلعه الموج، لأصبحنا أضحيات العيد البحري العاصف، ووجبة للأسماك.

أرسى القبطان السفينة وسط العاصفة، منتظراً وصول خفر السواحل الإيطالية، بعد أن أبلغهم بإنقاذ ركاب المركب الغارق، دون معرفة مصير المركب الآخر.. الحزن غطّى وجوه الراحلين على فقد الاتصال مع المركب الراحل بأحبتهم، كانت صدمتي فوق احتمال الصبر فأطلقت لدموعي الهذيان، الذي شاركها فيه عقلي وقلبي واللسان…

كأنّ روحي المغادرة عادت، زادت دموعي انهماراً، وكانت دموع فرحٍ ومفاجأة، رغم حزني على من غيّبهم الموت في غياهب البحر.. أخرجت ورقة مئة دولار من جيبي، ودفعت بها للشرطي الإيطالي، وأنا أمسح دموعي، لكنه امتنع عن أخذها، وأعاد هاتفه إلى جيبه ودموعه تكاد تفضحه.

أربعاً وعشرين ساعةً ننتظر إلى أن وصلت سفن خفر السواحل الإيطالية. انتقلنا إلى إحداها لتقلّنا إلى “سيسيليا”، التي وصلناها بعد يوم من الإبحار، ولنعلم أن المركب الآخر قد غرق، وانتشلت سفن خفر السواحل الأخرى بعض جثثه. كنت كالمضروب على رأسه، لا أعرف ماذا دهاني، ولا ماذا أفعل، وكنت أترنّح على وشك الانهيار.. أحد عناصر الشرطة الإيطالية رثى لحالي ودموعي، عندما طلبت منه- بالإنكليزية التي كنت أجيدها- أن يتصل لي من هاتفه على رقم أخي، الذي ودّعنا عند الشاطئ لأنه كان مصرّاً أن يبقى في ليبيا حيث كان يعمل هناك من سنين طويلة، وما إن جاءني صوته، حتى أخبرته وسط حشرجاتي ودموعي بأن المركب الثاني الذي فيه ابنتي قد غرق في البحر، فصاح بي: (لا يا مجنون.. ابنتك معي هنا، عاد بهم البلم المطاطي بعد أن ابتعدتم ولم يلحقوا بالمركب الثاني).. كأنّ روحي المغادرة عادت، زادت دموعي انهماراً، وكانت دموع فرحٍ ومفاجأة، رغم حزني على من غيّبهم الموت في غياهب البحر.. أخرجت ورقة مئة دولار من جيبي، ودفعت بها للشرطي الإيطالي، وأنا أمسح دموعي، لكنه امتنع عن أخذها، وأعاد هاتفه إلى جيبه ودموعه تكاد تفضحه.

اثنان وأربعون يوماً مرّت، إلى أن وصل أخي برفقة ابنتي، الذي اضطرّ إلى الهجرة معها حتى لا يتركها وحيدة، مع أنها كانت قد تجاوزت العشرين من عمرها.. لقد تأجّلت رحلتهم بضعة أيام حتى يهدأ البحر، ثم امتدّت أياماً أخرى ليكتمل العدد المناسب للمركب، وثمّةَ تأجيل ثالث لأن البحر غاضبٌ من البشر عموماً، والسوريين خصوصاً، وتمتدّ التأجيلات لأسبابٍ وأسباب… حتى تجاوزت الأربعين يوماً.

وتبقى أهوال رحلتي مزحةً سمجةً أمام أهوال رحلة ابنتي البحرية مع عمها، حيث استمرّت في الماء لأيام ثلاثة، حام فوقهم غراب البين مرات ومرات. كأنّ قدر السوريين الموت أينما حلّوا.

سألته عن كيفية وصوله إلى ليبيا؟ فكتب لي:

«أخي مقيم في “طرابلس” العاصمة. يعمل هناك منذ سنين طويلة. حين أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاعتقال، فررت مع ابنتي إلى لبنان، وحجزت تذكرتين إلى الجزائر.. تواصلت مع أخي الذي تواصل مع مهرّب ينقلنا من الجزائر إلى ليبيا عبر تونس، ومن مهرّب إلى مهرّب، قطعنا أياماً وليالي في الصحراء، ونقشت الرمال على وجوهنا خرائط الأماكن الموزعة بين الأعراب.. كانت المعاناة أكبر من احتمالنا، لكنّ الهدف والصبر دفعانا للتحمّل.. التقينا بأخي في “زوارة”، واستمر مقيماً معنا في الأيام العشر التي قضيناها إلى حين المغادرة.. لعل رحلة الصحراء كانت شاقّة أكثر من رحلة البحر، وإن كانت أقلّ خوفاً وهلعاً». 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى