ذاكرة حصار

جُلجلة الروح على طرق الحرير

جسدي الممتد بين ماءين، يعاني عطشا مزمنا. وقديما كتب ألان جينسبرج: العطش هو الماء الأول والأخير. لكن جينسبرج هذا لا يعول عليه، فقد كان من جيل أدمن البيرة والكوكاكولا. بدلا من ذلك لك أن تستعين بشغفك الجغرافي فتتخيلني فلسطينيا ينشر كوفيته بين نهر الأردن والبحر الأبيض، أو عربيا يتثاءب بين محيط وخليج، أو سيّاباً “لم يجد الحياة كما تخيل بين دجلة والفرات”. ولك أن تنظر في خريطة مصر، حيث تنتأ دلتا ڤينوس/جبل الزُهرة/خصوبة إيزيس التي غلبت عقم الصحراء وأبدية الموت. بل لك أن تفكر شعريا بمجاز بارع أكون فيه صُدْفةً عاثرةً وُلدَتْ من التقاء ماء السماء بماء الورد:

– وهل للورد ماء؟

– رحمك الله! فبم يشبهه ولده؟

بل لك أن تنحدر لقليل من الواقعية فتستسقي صخر قاسيون أو تستنبط ماء البئر، أما أن تستسلم لكسل مغر يجر تخمينا فاسدا عن ترددي بين زمنين، فهذا ما لا تحتمله لغتي ولا متطلبات الحرب على الإرهاب. فأنت في مخيم اليرموك حيث لا نهر فيه يحمل هذا الاسم، ولا في سهوله ووديانه قُهر البيزنطيون. نظرتُ نظرة في السماء وقلت: أمطري حيث شئت يا غيوم، فإن ماءك ليس لي. ثم تذكرت كيف عدّ محمود درويش أضلاعه مرة فهرب بردى من بين يديه وتركته ضفاف النيل، فأشعرني هذا بأنني أعظم اقتصاديٍّ على وجه الأرض. والاقتصاديون يحبون لسبب ما الاستعانة بالمعجمات المائية لوصف بعض الظواهر: تعويم العملة، السيولة النقدية، تجميد الأرصدة، غسيل الأموال، و… تجفيف منابع الإرهاب.

لهذا قطعوا الماء عن اليرموك؟ ربما، ولعلّي واحد ممن يتوقع نهاية البشرية نتيجة فهمها الحرفي لنصوصها المقدسة. لكن مشكلة الماء حلها سهل. تعديل بسيط في حلقات الذكر: ماء يا رسول الله! وفي صلاة قسيس أو راهب: ماءنا كفافنا أعطنا كل يوم! وإن أردتَ الوضوءَ فتيمم، وإزالةَ ريح عرقك ففجِّر عبوات الديودورانت لديك أو عليك، ولا تحتلم أو تستمنِ أو تمارس الجنس ما استطعت سبيلا، واغتسل بالشمس فهي حمّام العرب، وامضغ الأعشاب فليس فيها إلا (إتش 2 أو) وبعض أشياء أقرب للضريع، وتعرّ فجرا على شرفة منزلك لالتقاط جزيئات بخار ماء هائمة علها تتكاثف أو تتكاثر على بشرتك.

إذن فمسألة الماء هينة؟ بما يجعلُ التفكير فيها ترفا تربأ عنه الكائنات الحية. وحين كتب محمود درويش: “إنا نحب الورد، لكنّا نحب القمح أكثر” كان مبتدئا في الشعر، لكنْ مغرقا في الواقعية الاشتراكية. ولا يحتاج المرء عادة إلى دروس في المادية التاريخية ليدرك أهمية الخبز. يكفي أن يكون عاثر الحظ محاصرا، في عاصمتنا في الشتات مثلا، يعبث بأعصابه وجهازه الهضمي بنو اللقيطة. ويكتمل إتقان المشهد إذ ترى كم أنت يتيم: فلا منظمة التحرير أمك، ولا أبوك أبو ذر، ولا قبيلتك مازن، ولا الإنسانية مجالك الحيوي. مثل هذه التفاصيل – التي يُعزى إليها غلطا كمون الشيطان فيها- هي ما يظهر براعة الكاتب وتفوقه على أقرانه. أي كاتب؟ الكاتب الذي تُسلم له شخوصه الروائية مصائرها. وكيف تجاوزتم تلك المرحلة؟ بصعوبة، وربما لم نتجاوزها بعد. وكان أن عثرت في إحدى حفرياتي على مثل بيزنطي يقول: “من يملك خبزه يواجه الكثير من المشاكل، أما من لا يملكه فلن تكون أمامه سوى مشكلة واحدة”، وقد وجدت فيه عزاء دام أكثر من نصف ساعة. ثم كان أن سمعت أن ابن الإنسان يلقي موعظة على الجبل، وكان يقول فيها: طوبى للجياع! فقربت إليه بطني الضاوي، وأضلاعي الناتئة، وعظامي المعروقة، لكن ملكوت السماء كان لا يزال بعيدا. وليس بعيدا عن بيتي، كان خمسة رجال يتحلقون حول باقة فجل كما عكفت هُذيل على سُواع. لم يكونوا يلتهمونها، لا! كانوا يغتصبونها اغتصابا. حينها أدركت كل الإدراك أن الضُر قد مسّنا مسّاً عميقا.

أحاول أن أكون صادقا ما أمكن وأنا أخبرك بأني لم أكن ممن اكتشف أن الإله تخلى عنا فكفر وألحد وأينعت إنسانيته، ولا ممن تذكر وأبصر فتاب وأناب وتألّه، ولا بين بين. كنتُ كما كنت.

 في تلك المرحلة اقترح بعضهم أن نصوم على نية الفرج. ولا أخفيك أن هذا الاقتراح أفزعني أكثر من سؤالي يومها: ماذا سنأكل غدا؟ أحاول أن أكون صادقا ما أمكن وأنا أخبرك بأني لم أكن ممن اكتشف أن الإله تخلى عنا فكفر وألحد وأينعت إنسانيته، ولا ممن تذكر وأبصر فتاب وأناب وتألّه، ولا بين بين. كنتُ كما كنت. لكن بدا لي في ذلك الاقتراح شيء غير منطقي. يمكن أن نصلي جماعة ألف ركعة في اليوم، لا بأس، لكن أن نصوم ومنا من قضى جوعا؟ الحل الوحيد الذي تفتقت عنه أمعائي يومئذ هو أن نقوم بمسيرة عراة تجوب شارع اليرموك، سيكون ذلك كافيا ليشاهد العالم نحولنا، وقد يلفت أنظار الجمعيات المدافعة عن حق الإنسان في التعري، وربما كان عاملا مشجعا على السياحة في مخيمنا. وعدا شخص أو اثنين، رأى كل من بُحتُ له بمخططي ذاك، رأى فيه تجديفا أو سخرية. وعبثا حاولت أن أنفي عني تهمتَي التجديف والسخرية. ثم أذكر أن مفكرا لم يطعن أحد في إيمانه وإسلامه قال: إذا اندلعت نار في بيتك ودعاك أحدهم إلى التضرع إلى الله علّه يخمد الحريق فإنه يكون يستحمرك بذلك. في كلام هذا معناه. لكن من بوسعه أن يلوم إنسانا انقطع رجاؤه من البشر؟ شخصيا، لا أستطيع. لكن جوعنا لم يكن من قحط أصابنا حتى نتضرع إلى الإله، كان منتجا بشريا مئة بالمئة، فما عساه يصنع؟ صدقني لا أعرف. وكأن صراع بطني كان لا يكفيني، فاندلع صراع آخر في رأسي، وبين سؤال وجواب، وأخذ ورَدّ، وأطروحة ونقيضها، مر الوقت دون أن أصوم أو أتعرى. ماذا فعلت إذن؟ سمعت مطربة هابطة تغني: البسمة ابتسمت شفافة. فسألت نفسي السؤال الطبيعي المتوقع: كيف يمكن للبسمة أن تبتسم؟

وابتسام البسمة يذكرني بقولنا الشائع: “جُنّ جنوني” وكنت أظن إصابة الجنون بالجنون نوعا من العقل، لذلك كنت أتجنب هذا التعبير ما وسعتني الحيلة. لكن ماذا يفعل جائع مثلي فارغ البال مطمئن البلبال؟ يرجع إلى المعجم بالضرورة والطبع. وإذا بقولك: “جن جنوني” تعبير عربي أصيل أريدَ به فعلا المبالغة في وصف حالة الجنون. وكان مما استشهد به صاحب المعجم من أشياء مشابهة قول العرب: “جاع جوعي”. ياه! ونعم! لم يكن شعور الجوع بالجوع مقاما من مقامات التخمة، وأنّى لحفاة عراة أن يبلغوه؟ ثم ضاع هذا التعبير على ما يبدو في زحمة امتلاء موائد الخلفاء والأمراء بالأشكال والألوان والروائح والنكهات، حتى اكتشفه أبناء اليرموك.

كانت الحياة في مخيم اليرموك نوعا من ارتشاف “القبلة من حد السكاكين”، مجددا يسعفنا محمود درويش من مثواه الأخير بمحاولة شعرية لتشذيب المعاناة وتثقيفها. كذا كتبت مرة، سوى أن الحياة كانت أقرب ما تكون إلى جرذ، أرَضة، يقرضانك حتى تقول: “كفى بك داء أن ترى الموت شافيا”. وكنت كثيرا ما يخيفني الموت، كذلك الجوع، كلّاً على حدة. أما الموت جوعاً فلم يخفني مثل الموت مترع البطن. ولعلّي أُرجع ذلك إلى الأعشاب الضارة التي تخلّفها الاشتراكية العلمية، حتى بعد أن تُطلقها طلاقاً بائناً بينونة كبرى. لكني لا أخفيك، مقارنة بالموت مختنقاً بحبة عنب رمتها لي جارية، أو بوسادة تُجهز بها علي زوجتي؛ مقارنة بالموت مشوياً في تنور؛ أو مفلوق الهامة بفأس الرفاق القدماء؛ أو إثر جرعة حب زائدة؛ أو عقب نزيف مستقيمي صاعق؛ أو بعد صراع طويل مع النقائل السرطانية.. يبدو ليَ الموت جوعاٌ طريقة تجاوزتها الموضة، أو لنقل: ينقصها الإبهار. لذا، وباختصار، يمكنني أن أقول: يحبطني أن أموت جوعاً.

ولم أمت بعد، لا من جوع ولا من سبب سواه. كأنني وكزت الرب مرة بكل لؤم وقلت له: “انهض يا يسوع! لماذا تتلكأ؟” فنظر إلي بابتسامة لم تفارقه في تلك الساعات وقال لي: “نعم! سأذهب، أما أنت فستنتظرني حتى أعود”. ولعلك الآن ستفهمني كلما رددت تلك المقولة: اللعنة! لا أزال أتنفس.

حاشية: 
الجُلجلة أو الجلجثة، وتعني بالآرمية الجمجمة، هي المكان الذي صُلب فيه السيد المسيح وفق الرواية الإنجيلية. 
اللوحة المرفقة للفنان النيروجي Edvard Munch وعنوان اللوحة: Golgotha

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى