ذاكرة مكان

باب الشوايا

ابتسامته البلهاء التي رافقته من هنانو إلى محطة بغداد في حلب، ومن هناك إلى محطة القدم في دمشق، كانت محط استغراب واستهجان رفاقه “المكلّفين” الوجلين؛ فعلى عكسهم، أمضى الرحلة التي استغرقت عشر ساعات يتجول بين “الفركونات” ذات المقاعد الحديدية المخصصة لنقل العسكر، يراقب المشهد على جانبي الطريق، وعيناه تشعان بفرح لا يعرف أحد مصدره، كأنه في رحلة سياحية في قطار الدرجة الممتازة، أو ربما هو مجنون غير مدرك لما ينتظره بعد ساعات قليلة، حيث سيكون في أسوأ وأقذر الأماكن وسيخوض أسوأ التجارب التي يمر بها شاب سوري في مثل سنة.

“خلف علي المحميمد، شعبة المخابرات” تلك الجملة الساحرة التي سمعها في ساحة ثكنة هنانو حين كان ينتظر “الفرز”. وبقي يكررها في سره طوال الطريق، كانت سر سعادته الغريبة، فقد حملت له فرحاً مضاعفاً؛ “مخابرات أريح خدمة، دوام إداري وسلطة ومين قدك، وممكن يسلمونك فَرِد”.. هكذا أخبره ابن قريته الذي يخدم مجنداً في الثكنة.

لكن الفرح الأغلى والأهم بالنسبة له، أنه ذاهب إلى الشام (دمشق) أخيراً، وسيتعرف إليها عن قرب. سيتعرف إلى المرجة وشارع الثورة ومخيم اليرموك والمزة وبرزة والقابون، وجميع الأحياء التي كان أقرانه وأبناء عمه الذين يكبرونه بقليل يتباهون أنهم يعرفونها شبراً شبراً، بينما يضيع هو إن ذهب متراً خارج القرية.

وصلوا إلى دمشق حوالي الساعة الثالثة صباحاً، وسينطلقون من المحطة إلى الفرع الإداري في شارع التوجيه بالمزة؛ أول شيء فعله عند نزوله من القطار أن أخذ نفساً عميقاً من “هَوايات الشّام” التي لطالما تغنى بها أبطال مسلسلات البيئة الشامية. وقف وجهاً لوجه أمام محبوبته التي لطالما تشوّق لرؤيتها، محاولاً استكشاف بعض معالمها تحت جنح الظلام، بالنسبة له كانت كل الشام سواء لا فرق بين حي فقير أو غني، بين الدحاديل أو كفرسوسة لا فرق. 

صحيح أنه لم يدخلها من أحد أبوابها السبعة، ولم يكن بأفضل ما يكون عليه العاشق في موعده الأول، كان حليق الرأس بثياب رثة، يحمل حقيبة متسخة ربط مفتاحها على معصمه بقطعة بلاستيكية، لكن هذا لم يكن لينقص من بهجته، فالمهم أنه وصل والبقية تأتي لاحقاً.

مع الصباح كان الباص العسكري يسير بهم إلى خارج حضن محبوبته متجهاً نحو مدرسة ميسلون العسكرية (الوحدة 259 – شعبة المخابرات). الشام في النور أجمل بكثير من كل ما توقعه وأجمل من أحاديث والده وأهل القرية. ابتسم لها كثيراً على أمل العودة إليها عندما ينهي دورة “الأغرار”.

 لكن سرعان ما لفظته مدرسة المخابرات بسبب عمّه الذي قضى ما يقارب عشرين عاماً في سجن تدمر بسبب انتمائه إلى حزب البعث العراقي، فتم تحويله إلى إحدى القطعات التابعة للجيش الشعبي بالقرب من عدرا العمالية. 

الشام ليست أم الفقير يا خلف، ولا “ينام فيها الغريب على ظله واقفاً”، بل مرمياً على ذلّه، كم كان أبوك يكذب عليك حين يتحدث عن أيامه فيها.

لم يكن حزيناً لذلك، وبقيت ابتسامته البلهاء عينها لم تنقص، فما يعنيه من كل هذا أنه لم يبتعد كثيراً عن دمشق، ويستطيع الوصول إليها متى أراد مقابل علبة متة وعلبتي سجائر “حمراء طويلة” وهي التعريفة التي حددها له المساعد أبو المجد -القائد الفعلي في غياب العميد- مقابل أربع وعشرين ساعة يقضيها في دمشق أسبوعياً.

من ساحة العباسيين إلى حديقة تشرين، حيث يقضي النهار كاملاً في تلك الحديقة الكبيرة التي يعتبرها إحدى عجائب الدنيا السبع، يتجول فيها ويتلصص على العشاق الذين يتبادلون القبل أو “المقطوعين” الذين يمارسون الجنس متخفين بين الشجيرات. يدلل نفسه بمتع رخيصة؛ كأس شاي بارد من باعة الشاي المتجولين أو عرنوس ذرة غير مكتمل الاستواء مع كثير من الملح. وفي المساء يذهب ليبيت ليلته عند قريبه “حمّاده” الذي يستأجر غرفة عفنة في حي تشرين.

  • يضحك “أبو المجد” في كل مرة يسأله أين قضى يومه، ويعقّب هامساً “والله يا ولد أنت لازم يسمّوك بطل التشرينين”

مع الوقت صار يتعرف إلى “الشام” أكثر، ويغوص في تفاصيلها أكثر وأكثر، وفي كل مرة يكبر حزنه أكثر، ويعود منها بخيبة أمل جديدة، حتى صار يفضل البقاء في قطعته العسكرية بين المهجع ونوبة الحراسة، واختفت ابتسامته نهائياً.

الشام ليست أم الفقير يا خلف، ولا “ينام فيها الغريب على ظله واقفاً”، بل مرمياً على ذلّه، كم كان أبوك يكذب عليك حين يتحدث عن أيامه فيها.

  • في الشام يصبح اسمك الذي تحبه بلامه المفخمة، نكتة تثير طوفان ضحك.

في الشام تسقط شعارات “ثورة” الثامن آذار التي حشاها في رأسك مدرس الابتدائية؛ فلا مساواة ولا عدالة، وأنت وأهلك لستم سوى سلة غذائية تطاردها الكلاب المفتونة برائحة السمن العربي.

الشام لا تعرفك يا خلف، لا تعرف ابن عمك الطبيب الناجح، ولا ابن خالك المهندس المهم في الإمارات.. تَراك بريّاً لا يعرف سوى الخيمة والأغنام.

الشام لا تستقبل الشوايا إلا مرضى أو عساكر أو مراجعين للدوائر الحكومية، أو مجرد عابرين يبيتون فيها ليلة ثم يغادرون الوطن بأكمله إلى لبنان أو دول الخليج. تراهم يطوفون بين فنادق المرجة الرخيصة يتشاركون مع العاهرات الاستجداء والآهات هناك، ثم يأخذن في النهاية حقهم من الدفء والمتعة.

الشام لا تعرفك يا خلف، لا تعرف ابن عمك الطبيب الناجح، ولا ابن خالك المهندس المهم في الإمارات.. تَراك بريّاً لا يعرف سوى الخيمة والأغنام.

الشام لا تحب ابتسامتك. تسد أذنيها عن الموليا والعتابا والنايل واللكاحي وتنصت لمن يغني “كان شاوي على الجسر” 

في إحدى زياراته القليلة إلى الشام لاحقاً، ذهب رفقة قريبه “حمادة” إلى بيت دعارة في حي تشرين، أثناء المفاصلة مع “البترونة” التي كانت تظنه عراقياً فعرضت عليه أجمل ما لديها من الصبايا، لكنها تراجعت  حين عرفت من أين هو. فاختبر رعشته الأولى مع مومس كبيرة في السن. كانت رعشة سريعة لا متعة فيها ولا شبق. رعشة مخيبة للأمل حالها حال الشام.

الآن وبعد سنوات من الكارثة، يجلس خلف في بيته في درسدن في ألمانيا التي وصل إليها شبه غريق، ووجد في بردها ما لم يجده من دفء الشام، يسأله ابنه بعد أن أنهى للتو مشاهدة حلقة على “اليوتيوب” عن أبواب الشام.

– يقولون إن أبواب الشام سبعة، ومصادر أخرى تقول ثمانية، هل تعرف أبواب الشام يا أبي؟

–  لا أدري، عرفت باباً واحداً لن تذكره المصادر؛ اسمه باب الشوايا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + 18 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى