ذاكرة لجوء

شمسٌ تغيب

«مادتْ بي الأرض..

لم أجد “أحمد” بين الناجين من الغرق، ماتت لهفتي، وأحسستُ بعدم الجدوى.. بعد أن عانينا الأمرّين في رحلة الوصول إلى “أزمير”، ودفعنا ما بحوزتنا للمهرب، غرق بنا “البلم المطاطي” الذي يحمل ضعفي طاقته وسط البحر، بعد أن لاحت لنا الجزر اليونانية.

كانت صديقتي “فاتن” تروي لي عبر “الواتس أب” بعض معاناتها في الوصول إلى ألمانيا، هاربة من بطش أمن النظام الذي اعتقلها وعذبها أسابيع في أقبيته، لأنها كانت ناشطة في إغاثة المهجّرين من الغوطة الشرقية إلى “جرمانا”، وشاركت في الكثير من المظاهرات السلمية في الغوطة.. وقد تعارفنا وتعاونّا في الكثير من مهمات الإغاثة قبل اعتقالها.. ثم لاحقها الأمن مجدّداً، بعد أن نجت بأعجوبة من الموت تحت التعذيب، وعادت إلى متابعة مهماتها في الإغاثة، ودعم الثورة والثوار في الغوطة عبر قنوات إيصال المساعدات والتموين، ما حدا بها أخيراً إلى الفرار شمالاً باتجاه تركيا بعد أن ضاقت حلقة حريّتها، وأصبحت شبه محاصرة، وهي تعلم أنها لو اعتقِلت مجدداً فسوف تموت تحت التعذيب الجهنّميّ..

«بعد أيام من اليأس كادت تودي بي، تذكّرت عهدنا “أحمد” وأنا: “من ينجُ بمفرده يجب أن يتابع الطريق إلى الوجهة الممكنة، ويعيش الحياة وكأننا معاً، ليستمرّ حبّنا إلى الأبد”..

انتقلت مع المرحّلين على سفينة عملاقة من الجزيرة التي احتضنتني أياماً، إلى “أثينا” العاصمة اليونانية، وبعد شهرين، حين اعتدل الطقس، عبرت مع مجموعة من اللاجئين إلى ألمانيا، عبر مقدونيا وصربيا وهنغاريا، في رحلة أهوال وملاحقة وهروب، استمرّت عشرين يوماً.. وصلت إلى “ميونخ”، وطلبت اللجوء هنا، كما كنّا نخطط “أحمد” وأنا تماما، وبعد أقل من شهرين بأيام حزتُ اللجوء الإنساني وإقامة مؤقّتة لثلاث سنوات».

كانت “فاتن” تكتب لي كلما تيسّر لها الوقت، وقد حرصتُ على تجميع مقاطع قصتها كما كتبت، لأجعلها قصة سردية توثّق حالة من الواقع السوري المؤلم، على جمال بعض ما جاء فيها، كلقاء “فاتن” و”أحمد” في “غازي عنتاب” التركية بعد شهر على هروبها، حيث لحق بها إلى هناك، لينطلقا معاً، متابعين لقصة حبٍّ جمعتهما في سنتها الجامعية الأولى.. كانت تدرس (التجارة والاقتصاد- إدارة الأعمال) في جامعة “دمشق”، حين التقت طالب السنة الثالثة في الهندسة المعمارية “أحمد”.. سنة من الحبّ الجارف جمعتهما.. وحين انطلقت شرارة الثورة، شاركا بالتظاهرات السلمية، وعمِلا معاً في الإغاثة، ولم يخترق اعتقالُهما حبَّهما، بل ازدادا تعلّقاً وعشقاً ورومانسيّة.

«انتصف النهار..

الحقول مترامية الأطراف أمامي. لم أعد أشعر بقدميّ، التعب استبد بي، الخدر استبدّ بمفاصلي المتراخية، وابتدأت قدماي المتجمّدتان تعثران بكل شيء.. ثمّ اختفى النور من عيني وفقدت الوعي.

حين أفقتُ، تناهى إلى سمعي أصوات غريبة وهمهمات. تلمّستُ أطراف الفراش، قاسياً بعض الشيء، وعلى ضوء الغرفة الفقيرة الخافت تبيّنتُ السرير الحديدي؛ تذكّرتُ وصف أخي للسرير العسكري الذي تعلوه فرشة متلبّدة، وفوقي أكثر من بطّانية عسكرية، لا بدّ أنني في قطعة عسكرية، ورغم الصداع والدوخة فكّرتُ بالفرار، نهضتُ بتثاقل عجيب، اقتربت من الباب لأسمع بوضوح أكثر، كانت أصوات مختلطة، بعد لحظات تكلّم صوتٌ جهوريٌّ كأنه صوت قائد عسكري: “تبدو وجهتها صوب الحدود التركية، لا شكّ أنها ملاحقة من أمن النظام، علينا أن نساعدها في الوصول إلى وجهتها…”. أحسست بالفرح، لكنّ مفاصلي تراخت وسقطتُ على الأرض دون وعي.

مجموعة عسكرية من الجيش الحر، هم من وجدوني فاقدة الوعي.. بعد الفطور الخفيف الذي شاركتهم به أوصلني أحدهم إلى تقاطع طرق ووضعني في سيارة عابرة باتجاه ريف حلب الشمالي، بعد أن أوصى السائق بي، حيث أنزلني في “جرابلس”. التقيت أحد معارفي هناك وانتقلت بصحبته إلى “غازي عنتاب”، لأنتظر وصول “أحمد” الذي اتفقتُ معه على الهروب إلى أوروبا بعد خروجنا من الاعتقال، ولم تسمح لنا الظروف بالفرار معاً بسبب الملاحقات الأمنية لكلينا، واضطرارنا للتواصل والاتفاق عن بعد.

“أحمد” وأنا، أعدنا ترتيب خطتنا بالتوافق، وتعاهدنا على متابعة الطريق وصولاً لهدفنا مهما تكن الصعاب، وإن قُدِّرَ لنا الافتراق أو موت أحدنا، على الآخر أن يشقّ طريقه، فالحياة جديرة بأن تعاش

حين وصل “أحمد” والتقينا، طارت غيمات ربيعي فرحاً، رأيتُ ضحكة القدر في وجهي رغم مصائب بلدي، كنت قد وضعت خطة انتقالنا إلى “أزمير”، ومنها إلى اليونان، وحصلت على عنوان مهرّب هناك.. “أحمد” وأنا، أعدنا ترتيب خطتنا بالتوافق، وتعاهدنا على متابعة الطريق وصولاً لهدفنا مهما تكن الصعاب، وإن قُدِّرَ لنا الافتراق أو موت أحدنا، على الآخر أن يشقّ طريقه، فالحياة جديرة بأن تعاش».

بعد حصولها على الإقامة، استأجرت منزل صغير بموافقة مكتب العمل والبطالة على دفع أجرته، ثم توجّهت إلى المدرسة التي سجّلوها بها، لمحو أمّيّتها باللغة الألمانية. كان حزن فراق “أحمد” يأكل بضلعها، ولا تجد إلى نسيانه سبيلاً.

قرأت معلمة اللغة قائمة الأسماء لديها، متهجّئة الحروف كأنها طالب في الصف الأول الابتدائي، لأنها أسماء أجنبية ليست من لغتها، وكان الكل يساهم في تصحيح اللفظ ويضحك.

قرأت المعلمة: “أخمد أيّاشي”.. انتفضت “فاتن” كأنّ مسّاً كهربائياً لدغها، وبذهول لا يُصدق أخذت تتفحّص الوجوه، ووسط دهشة الجميع من تصرّفها، كانت هي في ذهول عمّا حولها.. من هذا الذي يحمل اسم حبيبها؟ إنها لا تراه بينهم.. ثمّ هل هو المعني بالاسم: “أحمد عيّاشي”؟ لم تره، ولم يردّ أحد الحاضرين، فأردفت المعلمة بالألمانية: ليس هنا.. وسألت “فاتن”: هل تعرفينه؟ لم تفهم “فاتن” السؤال، فترجم لها سوريٌّ بين الحضور يلمّ قليلاً بالألمانية، فأومأت برأسها نعم ولا.. ربما لا يكون هو من أعرفه.

بعد الحصة، تقدّم منها “مازن” يعرّفها بنفسه، ويسألها من “أحمد؟ فتجيبه: شخصٌ أعرفه وقد لا يكون هو المقصود بالاسم.. هل تعرفه حضرتك؟

– لا.. لكنّ الموقف الذي حصل منك عند سماع اسمه يوحي بحبك الشديد له. وأردف ممازحاً بابتسامة ماكرة: هل هو الحبيب المفقود؟

اغتصبت دمعة عينها، جعلته يأسف لما فاه به: حبيبي مات غرقاً في بحر “إيجة”.. ليتني متّ معه.

لم تجدِ التأسفات والمجاملة التي قدّمها زميل الصفّ “مازن” نفعاً، وإن ألهتها عن مواصلة الحزن، فابتسمت له بمرارة الدمع مخفّفة من حدّة شعوره بالضيق والحرج: لا عليك يا أخي، الحياة يجب أن تستمرّ، على الأقل هذا ما وعدت “أحمد” به.

«عند عودتي للمنزل، كنت طائراً محلّقاً بجناح واحد.. الأفكار تتقاذفني، كموجة تتدحرج إلى شاطئ صخري فترتطم، أصحو قليلاً ويعاودني الهذيان الحزين، ماذا لو كان “أحمد” معي الآن؟ كيف كانت ستتبدّل حياتي وتنتعش؟ يبدو أن قدر السوريين أن يعيشوا مأساتهم مضاعفة.. لكن لماذا؟؟

في اليوم التالي، لا أدري ما الذي جعلني أبكّر بالذهاب للمدرسة، قبل وصول أي طالب.. لعله الأمل الكاذب الذي يدفعنا لمشاركة الكذبة وتصديقها.. وقفت أنتظر حصول مفاجأة، بل معجزة، قلبي يتلهّف لها، وعقلي يهزأ بمجرّد وجودها أو إشغالي له بها.. ابتدأ الدرس، والكل يحاول أن يفهم ما تحاول المعلمة شرحه بالألمانية، مستعينة بالإشارات وببعض وسائل الإيضاح، وببعض الطلبة الأقدم الذين يفهمون معاني بعض الكلمات والجمل ليترجموا لزملائهم.. 

نقرٌ خفيفٌ على الباب، ينفتح الباب، ويدخل “أحمد عيّاشي” معتذراً من المعلمة عن التأخر بكلمات مبعثرة.. لم أعد أشعر بمن حولي، حلّقت أجنحتي بي ورمتني بين ذراعيه، وهو لا يصدّق ما تراه عيناه، كان قد بحث عني ولم يجدني، وظن أنني في عداد من حصدهم الموت في غفلة من الإله وملائكته…».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة + 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى