ذاكرة حصار

بانتظار القطار.. الحصار

في عام 2021 حكم على باقي سكان الشمال السوري بالحرق، هم في حصار من جهة، وفي جوع وعطش وقلة موارد وسرقة المأكل والمشرب والملبس من جهة أخرى.

الى أن يتعدّل ذلك الحال، رغم كل هذه التحديات المقيتة، كان لا بد من تغيير جذري، يكون أساساً لحياة جديدة، بعيدة كل البعد عن دموية ووحشية وإرهاب هذا العالم، المهيمن على الفقراء دون غيرهم، من النبلاء (اللصوص وقطاع الطرق) والحكام (الزنيمون) أولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، في هذه الدنيا.. ليبدأ الوضع في الشمال السوري بالتغيّر، وليمر بالعصر الحجري الجديد، وهو ما بعد (عصر الانحطاط)، وليظهر تأثر كل فئات المجتمع السوري بالغرب، وبمختلف نشاطاته.

كان قد حُفر في أذهان ممن اطلعوا على ثقافات الشعوب الغربية عدة طغاة، أمثال “موسوليني” و”هتلر” ووو، أنهم قتلوا الملايين من اليهود وغيرهم، ممن كانوا يمثلون الأقلية في تلك الشعوب.. وها هم يرون روسيا في الشمال السوري تتّبع سياسة “الأرض المحروقة”، وترفع شعار المغول وزعيمهم “تيموجين” المعروف بـ”هولاكو”: «إن لم نقتلك اليوم فسوف نقتلك غداً».

تقلع الطائرات، التي لم نشهد لها مثيلاً من قبل عدّةً وعتاداً، وتخطيطاً عسكرياً فائق الدقة، ببراميلها المتفجرة، لتُسقط أمطاراً تُنبت جثث بشرٍ لا ناقة لهم في هذه الحرب ولا جمل.

يبلغ الحصار أوجه على كل الصعد التي ذكرتها ولم أذكرها آنفاً.. حتى إن أي طفل في هذا العالم أصبح ينام على قصص وحكايات أطفال سورية، الذين ماتوا بأبشع الطرق والأساليب المحللة دولياً لهم، والمحرمة على غيرهم، امام صمت مريب (السكوت علامة الرضا).. الحصار الذي أطبق فكيه على ما تبقى من الشمال السوري، فحصد وأحرق الملايين من أبنائه في الافران، على غرار ما فعله “هتلر” النازي المتعطش للقتل والحرق والتنكيل.. تماماً هذا ما يحدث مع الشمال السوري عندما يكرر طاغية الزمن نفسه، لكن باسم مختلف، واستحمار أكبر، بعصر توسمنا فيه تطوراً، ورأينا فيه أخلاقاً تتطور على غير عادة، وبطريقة غريبة.

ما زال الحصار- بالطائرات والبراميل وبأعنف أنواع الأسلحة، بما فيها الكيماوي ووووو- يطبق على سكان الشمال السوري، لتتشابه المعطيات: الجوع.. العطش.. القتل بالحرق والغرق والقصف والرصاص (تعددت الأسباب والموت واحد)…. لنجد أنه لا فرق أبداً. فالاضطهاد لم يتغير بل زاد في بعض المستويات، واختلافه باختلاف الأزمنة والتضاريس الجغرافية للمناطق، لكونها تصلح للطائرات والدبابات وكافة أنواع الأسلحة، تبشيراً لما قد حدث وسوف يحدث في الشمال السوري، بأن أي شخص سيموت بأبشع الطرق التي لا يتمناها لعدوه؟

(وكفا بالموت واعظاً).. «أنا الآن محاصر في الشمال السوري، في بلدة “كفر دريان”، يساورني خوف عظيم وتفكير أعظم في الطائرة التي ستأتي يوماً لتقتلني من دون أي ذنب. ماذا سيكون ذنبي؟ هل سيدفنوننا أحياء أم إن الحرق سيكون من نصيبي؟ لعل البراميل المتفجرة ستحتم مصيري فأتناثر أشلاء.

لماذا هذا الحصار؟ لإرساء الطمأنينة في نفوس أصحاب العروش والكروش؟ الى متى سأظل أبحث عن إكسير الحياة؟ لعلني استطيع العيش إلى الأبد.. فوبيا الموت، انتشرت بين الناس، أصبحنا نفقد الشعور بأننا من نفس طينة “بوتين، وبيشو”، ما أغرب العيش عندما نكون الأعجوبة الثامنة في هذا العالم، ويأتي أهل الأرض للنظر إلى آثار ما تبقى على الأطلال من هياكل عظمية بقيت بأعجوبة حاضرة إلى الآن.

هل ذلك الوحش الذي يدعي الإنسانية، سيظل يدعي البراءة والبكاء، والندم على ما حدث ويحدث، ويبحث عن الرفاهية الرقمية، بمقدار عدد قتلى الشعب السوري، ليعيش حياة كريمة خالية من السوريين، (الذين كانوا يسيطرون على خيرات هذا البلد الآمن المطمئن، الذي أصبح بفضل “القيادة الحكيمة” أقوى دولة في العالم؟؟».

المضحك المبكي، أن الطفل الذي كتب هذا الكلام من “كفر دريان”، وأرسله إليّ إلى “كفر لوسين” (الكفران: بلدتان في ريف “إدلب” في الشمال السوري)، لم يبلغ الثانية عشرة بعد.

الحصار يتمدد ويتزايد، وهذا الشعب لا حيلة له سوى الاستنكار والتنديد، على غرار مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، وكافة العاملين في المجال الإنساني، أو المرتدين الثياب الإنسانية وهم وحوش لا يعرفون الرحمة، يسرقون حليب الأطفال وقوت الجائعين.

«هذا الحصار القائم، كفيروس كورونا، أساليب متعددة لهدف واحد.. ولا تزال المخاوف جمة من استمرار عمليات التصعيد الممنهجة على أرض الشمال السوري، لحرقنا بالجملة أحياء- هذا ما أعلنه (التفتنازي- أبو عبدو) عن صموده- نعلن المفاوضات إن أرادت روسيا ذلك، فنحن قوة لها ثقلها الإقليمي، في الكوكب الأزرق». ولعل ما سيتوصل إليه حرق أناس عزل، لا يريدون القتال أصلاً، وقد بلغ الحصار أوجه والكوابيس لا تفارق أحداً في الشمال، الصامد إلى الآن، رغم ما واجهه ويواجهه من عجائب، وأسلحة لم تجرّب إلا على الشعب السوري.

اللافت في طفل “كفر دريان” أنه يرى ما لا يراه الكبار: «هل ظن الجاهل افضل من يقين العاقل؟ وهل سيتطور الوضع تلقائياً، ويطبق الحصار فكيه علينا، لنصبح فريسة لا حول لها ولا قوة، بين براثن “الدب الروسي” و”كسرى فارس”؟ ثم ليأتي “شي جينغ بينغ، التنين الصيني” مؤازراً لروسيا وإيران، ومحاصراً للشعب الذي- على ما يبدو- أصبح يشكل عقبة في طريق الأمن والسلام الدوليين؟ هذه هي الكوميديا السياسية، عندما يتكاتف قطيع من الأسود للتغلب على وعلٍ يكفي شبل واحد للقضاء عليه».

للاسف هذا هو الحصار، والميدان أشلاء البشر، والضحية البشر، والسبب البشر، والمستفيد الوحيد عزرائيل، يفرح بمئات الهدايا من الأرواح التي يقبضها يومياً من دون إنذار مسبق، فمصائب قوم عند قوم فوائد.

الحصار العجيب الصاعق ذو الأسلحة الموجهة ليزرياً وبالبراميل المتفجرة، وطائرات الميغ وووو.. الحصار بإغلاق المعابر التي تعتبر المتنفس الوحيد لملايين البشر.. الحصار لمنطقة أصبحت أشبه بمحمية للحفاظ على نوع معين من السلالة البشرية المهددة بالانقراض.. الحصار من الداخل بسرقة المساعدات الإنسانية، وبإثراء مجموعة من أمراء الحرب المتاجرين بالدماء.. الحصار بالضغط على اي شكل من أشكال الحياة لبضعة ملايين هنا.. الحصار الذي غالباً ما يؤدي إلى الانتحار أو الهلوسة والمرض والضغط النفسي، وفقدان الرغبة بالعيش.. الحصار الذي يؤدي إلى الحصار من دون أي نتائج تذكر، سوى أشلاء الأطفال، والأحياء في مقابر جماعية مقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى