ذاكرة حدث

كما قالت ليلى

«الوجوه مليئة بالتجاعيد، لكن القلوب موتى يا “ليلى”.

أيتها الغالية؛ لم أكن أتصوّر حدثاً أقسى مما مررتِ به يا صغيرتي..

ما ذنب الطفولة حتى تذوق مرارة ألم لا تحتملها الجبال، ونزع روح الأبطال؟!

فوق قبر صغير زهرةٌ نضرة، تتجسّد بها “ليلى”، كلما ذهبتُ إلى مثواها الطاهر الصغير، أرى وأسمع وأتذوق ألماً عظيماً، وكأن حواسي خلقت للألم فحسب!».

زارني في المشفى بعد أيام، وكانت جروحي تحاول الالتئام، ملأت الدموع مآقيّ وهو يحدّثني عن مصابه.. كنّا في ليلة حالكة الظلمة، وكان القمر ضيفها الوحيد، ليلة من ليالٍ كأنها “ألف ليلة وليلة”.. كانت طفلته تلعب بالأرجوحة التي جلبها هدية لها.. كانت فرحتها بها كفرحة دخولها الجنة، ولم تكن تعلم بعد أنها ستدخلها أصلاً، لتصبح طيراً من طيورها.

فوجئنا جميعاً بالحدث الجلل.. كالبركان لحظة انفجاره، بغدر لم نعهده من الأنعام، ولا من الإنس أو الجن!! لقد نفّذ الطيران الروسي إحدى غاراته الجوّية- الهمجيّة على المدينة.. وكان الوقت مساءً، تمام الساعة الثامنة والنصف، قبيل نوم الأطفال، ليحلموا بـ”بابا نويل” أو “ليلى والذئب”.. عدة إصابات كنتُ إحداها، وشهيدة واحدة.. طفلة صغيرة اسمها “ليلى بريهو”.

بعد أن أسعفوني مع من أصيب ليلاً إلى المشفى، لم نكن نعي ما يحدث معنا.. بعد أن أفقتُ في اليوم الخامس، جاء لزيارتي وجروحه كانت طفيفة، وكانت زيارته الثالثة لي ليطمئن عليّ، جلس بجانبي على السرير والدموع تسبق شفتيه المرتجفتين: «رأيت “ليلى” تلتفّ بدمائها وحدها إلى جانبي، دون أمّها.. أنا أصلاً من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ كيف جئت إلى هنا ومعي “ليلى”؟…

بعد أن أخذتْ بضعاً من أنفاس، أسلمت روحها لبارئها، وأخذت معها روحي. من وقتها وأنا أعيش بلا روح، أصبحت ميتاً يعيش بقدرة قادر. كنت قد طغيت واستعليت وتباهيت بابنتي.. وانتهيت، ألف نهاية، ولم أبدأ ألف بداية وبداية….

آااااه يا ابنتي، ماذا عساي أن أتحدث، وفي أي بلد أنا؟ هل هذه بلاد “هولاكو” أم إنها بلاد “فرعون” ومن والاه؟ أم إن مجيئكِ لدنيانا، كان مقدراً لترحلي قبل الوقت المحدد؟

بعد أن دفنتها وصليت عليها، أصبحت من وقتها رجلاً آخر.. ماذا بعد أن دفنتُ روحي وقلبي؟ أيّها الحاكم الذي قتلت حبيبتي؛ هل كنتَ تخشى أن تنفّذ “ليلى” انقلاباً عسكرياً عليك مثلاً؟ أم أنها كانت ستحمل السلاح، بدل الألعاب وتقتل النظام “البريء”؟! أم أنها كانت ستؤسس إمبراطورية ضدّك كـ”الصين” مثلا؟ أم خشيت من أنها كانت ستسترجع أيام الخلافة “والخلفاء الراشدين”! مع أنها لم تصبح راشدة ولا واعية بعد؟!».

كانت “ليلى” مصابة بسوء التغذية، ثم أصابها “اختلاج” قبيل استشهادها بوقت قصير، وأخذها إلى المستشفى لمعالجتها، حيث سقوها الحليب مع الدواء لأكثر من أسبوعين، حتى بدأت بالتحسن.. لكن من سوء حظها- أو من حسن نهايتها- أنها ولدت في بلد أسوأ ما فيه قيادته “الحكيمة”، وأمنه الذي لا يعرف الأمان.

 يا “ليلى”؛ لقد ظنوا أنهم كانوا يخمدون الثورة ويقتلون “المرتزقة”.. لقد قتلوا أكثرية الأطفال، كانوا يخمدون ثورة الأطفال الآتية التي تعرف جبنهم وكذبهم وفسادهم ولن تقبل بوجودهم أبداً، فضلاً عن ثورة الشرفاء الذين لا يقبلون العيش دون كرامة.. «قتلوكِ يا “ليلى”، وكلي يقين بأنني سألحق بك قريباً.. صلّيتُ يا ابنتي، ودعوتُ لك، وكلي ثقة بأنك الآن في جنة الخلد.. أما أنا فلا عيش ولا حياة تطيب لي من بعدك يا ابنتي…

عندما رأيتُ جثتك مسجاة بجانبي، رأيت لعبتك المفضلة ما تزال متعلقة بيدك، أظنها استشهدت معك، فليس لها طاقة على احتمال ابتعادك عنها على ما أظنّ، كما لم تكوني تطيقين ابتعادها عنك.. أما الأرجوحة، التي أوحت للذئاب المحلّقة في الجو بوجود حركة تطير في الهواء، فقد وضعتها بجانب مهدك الجديد، لعلك تلعبين بها ريثما نصبح معاً، فألاعبك بها من جديد».

أظن أن الحياة كانت أفضل لـ”ليلى” لو كانت حياة! لكنها وقد تساوت مع الموت فلربما الموت هو الأفضل، ولا سيّما أن الموت نهايةٌ لكل حي.. لهذا السبب كان يخاطبها: «انتهينا معاً يا فلذة كبدي، فما عساي أن أفعل غير أن ألتحق بك؟ كان يجب أن تبقي وأموت انا.. لم يكن هذا الحدث يخطر على قلبي رغم وقوعه على كل شعبنا، ولا أحد يصدّق هذا المرّ حتى يذوقه».

صاروخ لعين حقير، طالب بـ”حق الفيتو” ليسحق حق الطفل في حياة كريمة آمنة.. الطفل لا يعي، وإذا وقع على الأرض وجُرح فسوف يبكي من الألم.. أما الصاروخ الروسي الصنع، فقد كان يعي، لكنه دون إحساس.. جاء إلى أرجوحة “ليلى”، بعد أن أخذ إحداثياتها خلال تأرجحها.. أيها الطيران الروسيّ، والصاروخ الروسيّ، والدبّ الروسيّ… إن كانت خدمتكم عمومية: ليلاً ونهاراً، فهل فعلكم أخلاقي؟ أم هو فعلٌ حيوانيّ؟ حتى الحيوانات لا تفعل هذا، لعلّكم مثل الحمار الذي استقطبكم كما استقطب غيركم من الفرس والعجم، لا تنتمون للجنس البشريّ.. ولعل القردة والخنازير والزواحف أشرف وأطهر منكم، ولديهم عهدٌ وأمانة وذمة أكثر بكثير مما لديكم، ولعل سكوت العالم أجمع، على مجازركم اليوميّة، بل الساعيّة، هو شريككم بشكل أو بآخر في الجريمة النكراء، التي تريدها وتديرها الصهيونية العالمية…

«ابنتي “ليلى”، كانت على حق عندما قالت لي: أبي أنا جائعة… كان جوعها روحياً أكثر منه جوع معدة، كانت تخاف وتعاني من أصوات الطائرات. كانت تبكي وكأنها تدرك قدرها. ومع أنها كانت تلعب فقط…، سجّلوا لعبها “جريمة ضد الإنسانية”، متجاهلين أنها طفلة لم تتجاوز السابعة من عمرها.. صدقيني يا ابنتي، إن روحي تغلي كالمرجل، وقلبي يدقّ عظامي دقّاً، ونفسي في حداد على روحك الطاهرة… وحقدي عليهم ليس حقداً ثأرياً، وقتل قاتلك ليس مرامي، وخساستهم ليست ملعبي، وإجرامهم ليس صيدي يا ابنتي… لكنني أعدك بألّا أنسى موتك المجانيّ، وأن أبقى حتى آخر نبض في عروقي مقاوماً لهذا النظام الفاسد حتى يسقط على مزبلة التاريخ، وأما قوى البغي والجبروت الدولية فلن يطول غيّها وتجبّرها ما دام شعبنا نهض من رقاده، ولن يساوم على كرامته ونيل حريّته.

دمتِ في مثواكِ الأخير آمنة مطمئنة، وديعة بين يدي الذي لا تغيب ولا تخيب ودائعه، ولا سبيل لي إليكِ إلا الصبر على ما كتب الله، حتى ألحق بكِ، ولن أطيل انتظارك.. (لسوف أستخدم حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن، ضد المجرمين الاوغاد، ولسوف أقتلهم شر قتلة، وأربّي بهم البشرية، حتى لا يجرأ فاسد ومجرم بعدها على إشهار ما يقومون بإشهاره، ولا تقوم للشرّ بعدها قائمة..).. أعلم بأنني أحلم، ولكن لا سبيلٌ لقلب أبيك لتهدأ ثورته ونقمته إلا الحلم، والإيمان بأن عدالة السماء لن تغفل طويلاً».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × أربعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى