نوافذ

الوجع…

رحلَ منذ زمنٍ، فكتبتْ له…

«رحلتِ وقلبي يا ابنة العمِّ تائِهٌ  على أثرِ الأظعانِ لِلرّكبِ يَنشُدُ

لَئن يشمَتِ الأَعداءُ يا بنتَ مالِكٍ  فإنَّ وِدادي مثلما كانَ يَعهَدُ

“عنترة العبسي”

“الوَجَعُ: اسمٌ جامعٌ لكلّ مرضٍ مؤلمٍ”. هكذا عرّفه معجم المعاني، وكأنّه أراد أن يُفصح عن أن البُعد مرضٌ، والغربة مرضٌ، والفراق مرضٌ، وحتّى الحبّ في بعض أشكاله مرضٌ.. أليس مرضاً أن تحبّ موجوداً (شخصاً، شيئاً، مكاناً، حيواناً….) غيابه عنك موجعٌ مهما قصرت الفينة أو طالت؟

الغائبون عن عيوننا ضربة موجعة، لا تكف عن النزيف، رغم أنهم يقيمون بين الضلوع، وتتمثّلهم الأبصار أطياف هوىً مع كلّ التفاتةٍ.

نهوى الرحيل حين تنتهي كل حلول البقاء، وحين يحدونا الأمل بمستقرّ أسمى.. نحمل على أكتافنا أوجاعنا برأس منخفض، وخطوات ثقيلة، ونمضي بين مجهولٍ آتٍ وآتٍ مجهول… أحياناً نتمنى أن تكون أحلامنا حقيقة، وأحياناً نتمنى لو كانت حقيقتنا حلماً. ينغرس الوجع بين الضلوع، ولا نعلم إن كان له صدىً في مكان ما، لدى شخصٍ ما، أو على قارعة طريق… لا يتألم إلا من كان وفيّاً أكثر مما يجب، حنوناً فوق ما يجب، وأنانيّاً أقل مما يجب.

يضيق قلبي، ويضيق الكون بما فيه حولي، ويكاد يُطبق عليّ من جهاته الستة، عندما أتلفّت حولي ولا أجدك، وأحتاجك ولا أبصرك، وأفتقدك وتغيب في الضباب والسراب، وأموت آلاف المرات عندما أرى طيفك ولا أراك».

أجاب…

«وأنت ترمقين نافذةً مشرعةً على الطريق، ترنين إلى الأفق المتلوّن بالرماد، وأنت تُمِرّين بأناملك الرقيقة على الحديقة فتعبق بالورود والرياحين، وأنت تقرئين المعوّذات وأعصابك ترتجف شوقاً وحبّاً وحناناً، وأنت ترسمين أمل البقاء بانتظار عودتي من المجهول… تجعلين القلب ينفطر شوقاً وحنيناً، وتختطفين قطعةً من الروح تنسكب في دمعةٍ تغتصب طريقها إلى الذقن.

من المؤلم أن تكون أصدق مما يتوقعون، ويكونون هم أكذب مما توقعتهم. أنت ترسم في خيالك حدود مكانك جنّةً فردوس، ودروب بلادك مساحات أملٍ ونقاءٍ وأنهاراً وأشجاراً وملاعب عصافير.. وهم يكبّلون الأحلام ويكمّون الأفواه ليتسلّطوا ويستبدّوا، يصطادون الفرح لينهبوا ويثروا، ويقتلون الأمل في النفوس لنقنط ونطأطئ، ويسرقون اللقمة والشربة والهواء لنجوع ونُذلّ ونتبع القطيع.

يريدوننا أن ننسى، نحن نفشل في النسيان، ليس لقلّة حيلتهم، بل لأننا في الواقع لا نريد أن ننسى، رغم كل ما يحمله التذكار من وجع… الفرح يُنسى بسهولة، لكنّ الوجع يصعب محوه من ذاكرة مظلوم.

كل يوم يزداد وجعي بازدياد أشواقي، وكل يوم أقاوم مخرز الغدر المدسوس في خاصرتي، حين يستبيحني الألم. أصنع من أمل صعود القمة المبتغاة معبراً، ومن أمل العودة بقناطير الحنين والشوق والانتظار سفينة الرجوع».

أوصته…

« لا تحاول البحث عن حلم خذلك، أو عن طريق قطع عليك الرجوع، وحاول أن تجعل من حالة الانكسار بداية حلم جديد، وطريق جديد، ومن حالة البُعد والاغتراب أو التهجير مرتقىً لفكرك وعملك وإبداعك… ولا تقف كثيراً على الأطلال والرسوم، خاصة إذا كانت الخفافيش قد سكنتها، والأشباح قد عرفت طريقها واستوطنتها… ابحث عن صوت عصفور يتسلل وراء الأفق، وعن نسمة تعبر الضفاف إلى الينبوع، مع بصيص صباح جديد، هو أمل المستقبل.

الوجع المنساب من جنون القلب، يحوّله العقل إلى طاقة إبداع في لحظة جنوح نحو الحقيقة، والألم صانع ماهر للمعجزات إذا ما توجّه بالمعبر الملائم لهبوب الرياح… وأعرفك حبيبي جيداً، تلاقت بين ضلوعك ودروز جمجمتك خيوط الشمس، وتواكبت المواهب زرافات، تنهل من محبّتك وفيض حنانك وثاقب فكرك طاقاتٍ إيجابيةً، يحدوها الغيم الممطر فرحاً في أضيق فسح العيش، وفي أرحب مساحات الجمال.

الخافق بين ضلوعي لم يعد يحتمل الكثير، والنابض فوق جبهتي لم يعد يهتدي السبيل… سأزورك في الأحلام ما دمتَ تحلم، وسوف يطول حديثنا عندما نلتقي، وسأترك لك نبضي عابر سبيل بين طريق وطريق، وعند منعطف وتقاطع، وسأطيّر فراشات قلبي تتنسّم عبير شذاك، قبيل الرحيل وبعد الفراق… أحبّك».

بوجع كليم ومقيم، أجاب…

«أشتاقكِ أكثر مما يحتمل اللجوج، ولم أستطع أن أخبرك… أخرسني الكبرياء يا سيدة قلبي وعمري… ليس من جديد غير أنّ هناك حنيناً فتك بضلوعي، وشوقاً يريد تمزيقي،​‌ وذكرياتٍ مؤلمة تسيطر على ملامحي وحدودي… لا أحد يشعر ما أشعر به. يصفعني الحنين، أبكي، أضيع، أتوه، وأحتاج لحضن أرتمي به ولا أجد. أنهض على أمل أنهم سيشعرون. على أمل أن تغفو الجراحات وأستكين. أغازل نجمتي وخيط شعاعها المتدلّي من مآقي العيون، فتغزلني الذكريات خيط حنين، وتنسجني المواجع سجادة صلاة لقدميك الحافيتين…

عدتُ لعزلتي، لعلّه يأتيني يوم أراك بالمصادفة، في أي مكان في هذه العالم البغيض، مع أنني أراك كل حين، عند التنهّدات، وفوق العبرات، وتحت الجفون، وبين الضلوع والشغاف، وقرب سدرة المنتهى.

الأمل، هو التغلب على الحنين ليلاً وعلى ليل الحنين، هنا يولد الأمل، ونموت نحن، الغائبين…  كانوا معي على رصيف الانتظار، يتهامسون أحياناً، ثمّة يسردون لي قصص الغائبين… بعد عودة أحبابهم وبعد التلاقي، تعانقوا أمامي، ثم رحلوا من هناك، وبقيت وحدي هناك أرثي لحالي، وأصطاد بتلات الذكريات… بعض الأحزان لا تحتاج حلولاً، ولا تنتظر اليقين، هي فقط تحتاج لكف صديق، يربت على كتفك، يلامس شغافك، يقول لك: أنا هنا، أشعر بك… ويريكَ الطريق.

في منتصف الليل الطويل، كنت أحب وحدتي، كنت أشتهيها على الرغم من أنها مدلهمّة، وباردة، وتتمدّد كأفعى الأساطير، توقظ ذكرياتي وصفحات قد أتلفت.

كنت أظن أني أستطيع الصلاة والسجود، أن أدخل الكنيسة أشعل شمعتي من جديد، لكنّي نسيت في خضمّ الجوع، كيف تشعل الشموع… من زمن بعيد، كنت أعتقد أني أستطيع كتابة كلمات الفرح، وتزويق السماء بقوس قزح، ولكن عندما كتبت ورسمت ولوّنت، شعرت أن شيئاً بداخلي قد إنجرح، وسال مدادي دماً نازفاً، وانغلقت فوق عيوني الدفاتر.

أمّي الحبيبة، أيتها السامقة فوق صحوي ونومي… أعلم أنك لن تقرئي رسالتي الأخيرة هذه… إلى جنان الخلد أيتها الموجوعة».

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يعطيك العافية استاذ ماجد لقد حركت فينا الكثير من الاحاسيس والاشجان اسعد الله اوقاتكم 🙏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 4 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى